تواجه منطقة وسط إفريقيا أزمة صحية متفاقمة إثر مستجدات تفشي فيروس إيبولا المستعر، والذي حذر خبراء الصحة من صعوبة السيطرة عليه واحتوائه نتيجة تشابك عدة عوامل معقدة، أبرزها الصراع المسلح المستمر في المنطقة والنقص الحاد في اللقاحات الفعالة، تزامنًا مع تراجع المساعدات الإنسانية الدولية.
شبح فيروس إيبولا يحدّق بإفريقيا
أمام هذا التدهور المتسارع، بادرت منظمة الصحة العالمية إلى إعلان الوباء "حالة طوارئ صحية عامة تثير قلقًا دوليًا"، حيث تجاوزت حصيلة الإصابات المؤكدة والمشتبه بها في جمهورية الكونغو الديمقراطية 800 حالة من بينها أكثر من 180 وفاة.
في حين امتدت تداعيات الأزمة لتسجل أوغندا حالتين مؤكدتين وحالة وفاة واحدة لأشخاص سافروا مؤخرًا من جارتها الكونغو، فضلاً عن رعاية مواطن أمريكي مصاب في ألمانيا.
وتشير تقديرات مسؤولي منظمة الصحة العالمية إلى أن جذور هذا التفشي تعود لنحو شهرين، حيث يُعتقد أن أول حالة وفاة مشتبه بها وقعت في الـ20 من أبريل الماضي، ليعقبها "نشر فائق" للعدوى في مراسم جنازة أو داخل منشأة للرعاية الصحية، وفقًا لموقع "لايف ساينس".
وما زاد الموقف تعقيدًا هو إخفاق الكوادر الطبية في إحالة عينات المريض الأول لإجراء فحوصات إضافية بعدما جاءت نتيجتها سلبية لنوع آخر من الفيروس.
ويقود هذه الموجة الحالية فيروس "بونديبوغيو"، وهو أحد الفيروسات الثلاثة المعروفة المسببة للمرض بجانب فيروس "السودان" و"زائير" الأكثر شيوعًا وتسببًا في الوفيات تاريخيًا.
فيروس بلا لقاح
التحدي الأكبر الآن يتمثل أمام جهود الاحتواء في غياب لقاح فعال مضاد لفيروس "بونديبوغيو" المسبب للأزمة الحالية، فجميع اللقاحات المعتمدة حاليًا صُممت خصيصًا لاستهداف فيروس "إيبولا زائير" الذي قاد أضخم تفشٍ للمرض بين عامي 2014 و2016.
ونظرًا لوجود تمايز جيني بين الفيروسين، فإن الاستجابة المناعية تظل محددة بشكل ضيق بسلالة "زائير" دون أن تظهر تفاعلاً مفيدًا ضد سلالة "بونديبوغيو"، إذ تتطلب الحاجة إلى تصنيع جرعات من لقاح تجريبي واعد فترة تتراوح بين 6 إلى 9 أشهر أو ما بين شهرين إلى 3 أشهر للأنواع الأخرى قيد التطوير.
وينضم غياب أدوات التشخيص والعلاجات النوعية الموجهة إلى قائمة العراقيل التي تحول دون رصد الوباء وتطويقه، لا سيما في مراحله الأولى التي تتسم بأعراض عامة كالحمى والتعب وآلام العضلات والصداع والتهاب الحلق، والتي تظهر في غضون يومين إلى 21 يومًا من التعرض للفيروس.
غياب أدوات التشخيص والعلاجات
كما تواجه جهود احتواء الفيروس عقبات تشخيصية وعلاجية كبيرة؛ حيث يغيب التشخيص الفوري والدقيق بسبب عدم توفر فحوصات الـ PCR الخاصة بسلالة "بونديبوغيو" على نطاق واسع، وضَعف حساسية الفحوصات السريعة البديلة، إلى جانب حاجة فحص الدم لعدة أيام لتأكيد الإصابة.
أمام هذا النقص في السلاح الطبي، تغدو الاستراتيجيات التقليدية مثل عزل وحجر المخالطين وتطبيق بروتوكولات الوقاية الصارمة بمعدات الحماية الشخصية التي تعد خط الدفاع الوحيد المتاح، وهي خطوات تتطلب بنية تحتية قوية للصحة العامة تكاد تكون معدومة في مركز التفشي بمقاطعة إيتوري شمال شرق الكونغو نتيجة عقود من الصراع المسلح.
وأفاد خبراء بأن الظروف الراهنة تشبه مأساة تفشي 2018-2020، لكن الأزمة الحالية تتفاقم مع امتداد الحالات إلى مقاطعتي كيفو الشمالية والجنوبية المقسمتين عمليًا بين الحكومة وجماعة "M23" المتمردة.
فضلاً عن تصاعد العنف في إيتوري وتراجع المساعدات التنموية الصحية للشرق الكونغولي بنسبة 70% إثر إغلاق مكتب الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية العام الماضي، وتبعه تخفيضات من مانحين آخرين أدت لإغلاق مراكز طبية ونقص حاد في الإمدادات والكوادر.
وأوضح المدير الإقليمي لمنظمة أكسفام في جمهورية الكونغو الديمقراطية، الدكتور مانينجي مانغوندو، أن هذه التخفيضات المالية التمويلية لا تسبب الأوبئة بشكل مباشر، لكنها تضعف الأنظمة المسؤولة عن منع الأزمات الصغيرة من التحول إلى كوارث كبرى.
ومع تحذير القيادات الصحية من اتساع رقعة الوباء دوليًا، يشدد مانغوندو على أن القدرات المحلية للاستجابة متوفرة في البلاد، إلا أنها أنها تفتقر إلى الموارد المالية والإنسانية الكافية لإخماد الوباء والسيطرة عليه، مشددًا على ضرورة تحرك المجتمع الدولي العاجل لدعم شعب الكونغو قبل أن تتحول هذه الأزمة الإنسانية التي يمكن الوقاية منها إلى كارثة صحية ذات عواقب عالمية واسعة النطاق.














