طوال اثني عشر عامًا قضاها فرانكلن روزفلت في البيت الأبيض بين عامي 1933 و1945، لم يفقد حزبه الديمقراطي يومًا واحدًا أغلبيته في مجلسي النواب والشيوخ. ومع ذلك، تكشف السجلات الرسمية أن هذا الرئيس تحديدًا أشهر سلاح الرفض في وجه المشرعين 635 مرة؛ وهو رقم قياسي غير مسبوق في التاريخ الأميركي، لم يقترب منه سوى غروفر كليفلاند بـ584 اعتراضًا، يليهما هاري ترومان بـ250 فيتو.
تفتح هذه الحصيلة الاستثنائية الباب لقراءة حقيقية لطبيعة الفيتو الرئاسي: كيف يستخدم عمليًا، ولماذا لا تعني السيطرة الحزبية على الكونغرس اتفاقًا تلقائيًا مع ساكن البيت الأبيض على كل مسودة قانون؟
سلاحان للرفض
لم تكن اعتراضات روزفلت الـ635 خروجًا من باب تشريعي واحد، بل توزعت بين مسارين حددهما الدستور الأميركي بدقة، يختلفان في الإجراء والنتيجة:
المسار الأول هو «الفيتو العادي»، ومارسه روزفلت 372 مرة. في هذه الحالة، يمتنع الرئيس عن توقيع مشروع القانون ويعيده رسميًا إلى المجلس الذي بدأ منه داخل الكونغرس، مرفقًا برسالة يوضح فيها أسباب اعتراضه. وهنا لا يُغلق الملف تلقائيًا، بل يملك المشرعون حق الرد ومحاولة كسر قرار الرئيس؛ فإذا استطاع الكونغرس حشد أغلبية الثلثين في مجلس النواب ومجلس الشيوخ معًا، يسقط الفيتو ويتحول المشروع إلى قانون نافذ رغم إرادة البيت الأبيض.
أما المسار الثاني، فهو ما يُعرف بـ«فيتو الجيب»، وهو الخيار الهادئ الذي وظفه روزفلت 263 مرة. حيث يمنح الدستور الرئيس مهلة عشرة أيام، دون احتساب أيام الأحد، لاتخاذ قراره بشأن أي تشريع يصله. فإذا انقضت المهلة دون توقيعه، وتصادف ذلك مع إنهاء الكونغرس جلساته وفض دور انعقاده، يموت المشروع تلقائيًا؛ إذ لا يمكن إعادته لمجلس غير منعقد. وتكمن قوة هذا الفيتو في أنه نهائي؛ فالكونغرس لا يملك بعد رفع جلساته أي وسيلة دستورية لعقد تصويت ثانٍ وتجاوز قرار الرئيس.
حزب واحد ومصالح متنازعة
تكشف تجربة روزفلت حقيقة سياسية غالبًا ما تغيب خلف العناوين العريضة: وحدة الانتماء الحزبي لا تعني بالضرورة وحدة الهدف التشريعي.
فالمشرعون في مجلسي النواب والشيوخ، وإن تقاسموا الحزب الديمقراطي مع الرئيس، جاؤوا إلى واشنطن بحسابات مناطقية ومطالب ترتبط بقواعدهم الانتخابية في ولاياتهم ودوائرهم المحلية، وربما بمصالح قطاعية ضيقة. في المقابل، ينظر الرئيس إلى القوانين من موقع السلطة التنفيذية المسؤولة عن السياسة العامة للدولة والميزانية الفيدرالية بمجملها. هذا التباين الحتمي في الأولويات أنتج مئات القوانين التي رأى روزفلت أنها لا تتفق مع خططه التنفيذية، فردّها تباعًا دون تردد.
ورغم كثرة المعارك التي خاضها روزفلت ضد قوانين حزبه، فإن النتيجة النهائية كانت حاسمة لصالحه؛ فطوال اثني عشر عامًا، لم يستطع الكونغرس حشد أغلبية الثلثين لكسر الفيتو وتجاوز اعتراضات روزفلت سوى 9 مرات.
اسم واحد لنظامين
يثير استخدام مصطلح «الفيتو» لبسًا شائعًا يقارن بين ما يجري في العاصمة الأميركية وما يشهده مجلس الأمن الدولي في نيويورك، مع أن الآليتين تنطلقان من فلسفتين مختلفتين كليًا:
الفيتو الرئاسي الأميركي: أداة توازن وتدقيق داخلية صُممت ضمن منظومة «الفصل بين السلطات» داخل بلد واحد؛ وهو ليس حقًا مطلقًا، وإنما حق مشروط بمهل زمنية، وتملك السلطة التشريعية وسيلة لإسقاطه إذا توفرت أغلبية الثلثين.
فيتو مجلس الأمن الدولي: أداة علاقات دولية محكومة بنظام التصويت في ميثاق الأمم المتحدة؛ حيث تملك كل دولة من الدول الخمس دائمة العضوية القدرة على نسف وإلغاء أي قرار موضوعي بصوت سلبي واحد، دون أي فرصة لبقية الأعضاء لتجاوز هذا الرفض أو مراجعته مهما كانت الأغلبية المؤيدة.
بهذا المعنى، لم تكن الـ635 اعتراضًا مجرد استعراض لرقم قياسي في سجلات فرانكلن روزفلت، وإنما تعبيرًا واقعيًا عن نظام دستوري بُني أساسًا على التدافع؛ نظام لا يعتبر الأغلبية الحزبية شيكًا على بياض، ويجعل من حق الرئيس في الاعتراض خط دفاع تنفيذي يُجبر المشرعين إما على مراجعة حساباتهم، أو خوض معركة الثلثين الشاقة.




