يفتح فوز الديمقراطيين بأغلبية مجلسي النواب والشيوخ خلال انتخابات التجديد النصفي، مرحلة جديدة من المواجهة مع الرئيس دونالد ترامب، بعدما انتزع الحزب عددًا من المقاعد التي كانت تحت سيطرة الجمهوريين، في نتيجة تعكس تراجع التأييد الشعبي لسياسات الإدارة الأمريكية.
ووفق التقديرات الأولية، تمكن الحزب الديمقراطي من تأمين الأغلبية بحصوله على 51 مقعدًا متجاوزًا النصاب المطلوب (50 مقعدًا)، مقابل 39 مقعدًا للجمهوريين. أما في سباق مجلس النواب نحو تحقيق الأغلبية البالغة 218 مقعدًا، فتشير النتائج الأولية المعلنة إلى تقدم الديمقراطيين بحصدهم 181 مقعدًا مقابل 108 مقاعد لصالح الجمهوريين، مع استمرار فرز بقية الدوائر لحسم السيطرة على المجلس.
وتكتسب النتيجة أهمية خاصة لأنها تنهي سيطرة الجمهوريين على غرفتي الكونغرس خلال العامين الأولين من الولاية الثانية لترامب، وتمنح الديمقراطيين فرصة جديدة لمراقبة قرارات الإدارة ومراجعة سياساتها، بعدما واجه الرئيس انتقادات بشأن ممارساته التنفيذية، والإنفاق الحكومي، والرسوم الجمركية، والسياسة الخارجية.
تحقيقات تطال ترامب وعائلته
تتصدر التحقيقات المتعلقة بالأنشطة التجارية لعائلة ترامب أولويات الديمقراطيين، إذ يعتزم روبرت غارسيا، المرشح لرئاسة لجنة الرقابة بمجلس النواب، التدقيق في المصالح المالية للرئيس وأفراد عائلته، بما يشمل استثماراتهم في العملات المشفرة، التي حققت لترامب عائدات تجاوزت مليار دولار.
كما تشمل الملفات المطروحة مراجعة التعاملات التجارية لجاريد كوشنر ودونالد ترامب جونيور، إلى جانب فحص العقود الحكومية والإنفاق الدفاعي، خصوصًا التقارير المتعلقة بتوجيه أموال إلى شركات مرتبطة بعائلة الرئيس.
ومن المتوقع أيضًا أن تخضع ممارسات إدارة الهجرة والجمارك ووزارة الأمن الداخلي لمراجعة برلمانية، في ظل اعتراض الديمقراطيين على سياسات الترحيل والتعامل مع المهاجرين.
ويأتي ملف جيفري إبستين ضمن التحقيقات المحتملة، مع استمرار الجدل بشأن تعامل وزارة العدل مع الوثائق المرتبطة بالقضية، بعدما نشرت نحو 3.5 مليون صفحة من أصل 6 ملايين وثيقة كانت بحوزتها، وسط انتقادات تتعلق بحجب بعض المعلومات والتنقيحات الواسعة، فضلًا عن الكشف غير المقصود عن بيانات بعض الضحايا.
وتمنح الأغلبية الجديدة الديمقراطيين صلاحيات واسعة لاستدعاء الشهود والمسؤولين، وطلب الوثائق، وإجراء جلسات استماع علنية، ما قد يضع مسؤولين في إدارة ترامب أمام مساءلات مباشرة، ويؤدي إلى مواجهات قانونية في حال رفض الاستجابة للاستدعاءات.
هل يعود العزل إلى الواجهة؟
مع استعادة مجلس النواب، قد تتجدد الدعوات داخل الحزب الديمقراطي لعزل ترامب للمرة الثالثة، بعدما سبق للمجلس أن اتخذ هذه الخطوة مرتين خلال ولايته الأولى، في عامي 2019 و2021، قبل أن يبرئه مجلس الشيوخ في المرتين.
ولم يستبعد زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب حكيم جيفريز اللجوء إلى هذا الخيار، مؤكدًا أن الحزب لم يغلق الباب أمام أي مسار للمساءلة. لكن الفكرة لا تزال محل نقاش داخلي بشأن جدواها السياسية وقدرتها على تحقيق نتائج فعلية.
ويحتاج قرار العزل إلى موافقة مجلس النواب، بينما تتطلب إدانة الرئيس في مجلس الشيوخ أغلبية الثلثين، ما يجعل إتمام هذه الخطوة صعبًا في ظل التوازنات الحزبية.
أجندة تشريعية لمواجهة سياسات ترامب
إلى جانب التحقيقات، يعتزم الديمقراطيون الدفع بأولويات تشريعية تستهدف التراجع عن عدد من قرارات الإدارة الجمهورية، وفي مقدمتها إلغاء تخفيضات برنامج «Medicaid» للرعاية الصحية، وتمديد الإعفاءات الضريبية المرتبطة بقانون الرعاية الصحية الميسرة.
كما تشمل أجندتهم استعادة صلاحيات الكونغرس في ملف الرسوم الجمركية، والضغط لإنهاء الحرب الأمريكية مع إيران.
ورغم أن الأغلبية الجديدة تتيح للديمقراطيين تمرير مشروعات القوانين داخل مجلس النواب بأغلبية بسيطة، فإن تحويلها إلى تشريعات نافذة يتطلب موافقة مجلس الشيوخ وتوقيع الرئيس، ما قد يفتح مواجهة جديدة مع البيت الأبيض، خصوصًا إذا استخدم ترامب حق النقض ضد مشروعاتهم.
تغييرات في قيادة الكونغرس
تمثل خسارة الجمهوريين ضربة لرئيس مجلس النواب مايك جونسون، الحليف المقرب من ترامب، بعدما قاد الأغلبية الجمهورية خلال السنوات الثلاث الماضية. ولا يزال مستقبله القيادي غير محسوم، وسط احتمالات استمراره في موقعه أو تنحيه، بما قد يفتح منافسة داخل الحزب الجمهوري لاختيار خليفة له.
وفي المقابل، يستعد حكيم جيفريز لتولي رئاسة المجلس في 3 يناير المقبل، ليصبح أول أمريكي أسود يشغل هذا المنصب، بعد قيادته حملة انتخابية ركزت على استعادة الأغلبية ومواجهة سياسات ترامب.
صراع مستمر على الدوائر الانتخابية
ارتبطت المنافسة على مجلس النواب أيضًا بمحاولات الحزبين تعزيز فرصهما عبر إعادة رسم الدوائر الانتخابية. فقد دفع ترامب الجمهوريين في تكساس إلى تعديل حدود الدوائر بهدف إضافة ما يصل إلى خمسة مقاعد، قبل أن تمتد التحركات إلى ولايات أخرى، بينها فلوريدا وكارولاينا الشمالية وتينيسي وألاباما ولويزيانا وميسوري.
وفي المقابل، حشد الديمقراطيون الدعم لتعديل الخريطة الانتخابية في كاليفورنيا، بقيادة الحاكم غافين نيوسوم ورئيسة مجلس النواب السابقة نانسي بيلوسي، ما ساعد الحزب على تحسين فرصه الانتخابية واستعادة مقاعد من الجمهوريين.
ومن المتوقع استمرار الخلاف بشأن هذه القضية خلال الدورة المقبلة للكونغرس، مع مطالبة الديمقراطيين بتشريعات تحد من التلاعب بحدود الدوائر الانتخابية لأغراض حزبية.
اختبار صعب للعامين المقبلين
تضع النتيجة ترامب أمام واقع سياسي مختلف، إذ لن يتمكن الجمهوريون من تمرير التشريعات عبر مجلس النواب دون الحصول على دعم الديمقراطيين، كما ستصبح قرارات الإدارة ومصالح الرئيس المالية والإنفاق الحكومي أكثر عرضة للتدقيق البرلماني.
وتشير تجربة عام 2018، عندما استعاد الديمقراطيون الأغلبية في المجلس خلال الولاية الأولى لترامب، إلى حجم المواجهة المحتملة؛ إذ أطلقوا سلسلة تحقيقات في أعمال الرئيس وإدارته، انتهت بعزله للمرة الأولى في ديسمبر 2019، قبل أن يبرئه مجلس الشيوخ.
وبذلك، تمنح الأغلبية الجديدة الديمقراطيين أدوات أوسع للحد من تحركات ترامب ومساءلة إدارته، لكنها لا تضمن قدرتهم على تنفيذ أجندتهم التشريعية، في ظل استمرار التحديات المرتبطة بمجلس الشيوخ وموقف البيت الأبيض.




