بعد أيام، في الثالث من نوفمبر، يتوجه الناخبون الأمريكيون إلى صناديق الاقتراع في انتخابات التجديد النصفي، لتجديد مقاعد مجلس النواب الـ435 جميعها، و35 من مقاعد مجلس الشيوخ المئة. وعلى الرغم من أن اسم الرئيس دونالد ترامب ليس على أي بطاقة اقتراع، فإن النتيجة ستحدد شكل عاميه الأخيرين في البيت الأبيض: هل يحكم بكونغرس موالٍ كما كانت الحال في عاميه الأولين، أم بكونغرس يقوده خصومه؟

الأرقام قبل الحسم

يدخل الجمهوريون السباق بأغلبية ضئيلة تاريخيًا في مجلس النواب: 218 مقعدًا مقابل 214 للديمقراطيين، إضافة إلى نائب مستقل هو كيفن كايلي يصوت في الغالب مع رئيس المجلس الجمهوري مايك جونسون، ومقعدين شاغرين بعد استقالة نائبين (جمهوري من تكساس وديمقراطية من فلوريدا) في أبريل/نيسان الماضي. وإذا عاد المقعدان الشاغران إلى حزبيهما السابقين، يبدأ جونسون ليلة الانتخابات بأفضلية فعلية 220 مقابل 215، بحساب شبكة ABC News، وانطلاقًا من هذه القاعدة، يكفي الديمقراطيين كسب صافي ثلاثة مقاعد لبلوغ 218 مقعدًا، عتبة الأغلبية البسيطة، وهو ما قد يجعل زعيمهم هاكيم جيفريز أول رئيس أسود لمجلس النواب في التاريخ الأمريكي.

أما في مجلس الشيوخ فالمهمة أصعب حسابيًا: يحتفظ الجمهوريون بـ53 مقعدًا مقابل 47 للكتلة الديمقراطية (45 ديمقراطيًا ومستقلان). ولأن نائب الرئيس جيه دي فانس يملك دستوريًا حسم أي تعادل 50-50، يحتاج الديمقراطيون إلى كسب صافي أربعة مقاعد كي تصل كتلتهم إلى 51.

خريطة المعركة

من بين مقاعد الشيوخ المطروحة للمنافسة، يصنف «كوك بوليتيكال ريبورت» 13 مقعدًا بأنها تنافسية، وفق قراءة نشرتها PBS في 14 أكتوبر، والجمهوريون يدافعون عن تسعة منها، ستة مصنفة «متقاربة تمامًا» هي ألاسكا وأيوا وكانساس ومين وأوهايو وتكساس، بينما تميل نورث كارولاينا إلى الديمقراطيين. في المقابل يدافع الديمقراطيون عن أربعة مقاعد، أخطرها ميشيغان المصنف «متقاربًا».

ثم هناك ثقل التاريخ. بحسب «مشروع الرئاسة الأمريكية» بجامعة كاليفورنيا سانتا باربرا، خسر حزب الرئيس في انتخابات التجديد النصفي بين عامي 1934 و2022 متوسط 27 مقعدًا في مجلس النواب وثلاثة في الشيوخ، ولم يكسب مقاعد في النواب سوى ثلاث مرات في نحو تسعة عقود. لا يعني ذلك استنساخ الماضي، لكنه يقول إن معاقبة حزب الرئيس في منتصف الولاية هي القاعدة لا الاستثناء.

السيناريو الأول: مجلس نواب ديمقراطي وشيوخ جمهوري

عمليًا، يعني هذا السيناريو انتقال رئاسة اللجان إلى الديمقراطيين، ومعها سلطة الاستدعاء والتحقيق: جلسات استماع علنية لوزراء الإدارة، ومطالبات بالوثائق، وتدقيق في القرارات التنفيذية والعقود. أما تشريعيًا، فيصعب إلى حد بعيد إقرار أي قانون جديد غير توافقي، وتتحول الموازنة السنوية إلى معركة ضغط مفتوحة قد تصل إلى الإغلاق الحكومي. في المقابل، يحتفظ الشيوخ الجمهوري بسلطة إقرار التعيينات القضائية والدبلوماسية والتنفيذية، فيواصل ترامب إعادة تشكيل القضاء الفيدرالي.

السيناريو الثاني: الكونغرس كله ديمقراطي

هنا يتعطل مشروع القوانين الرئاسي في الكونغرس، لكن الحكم لا يتوقف؛ فبيد الرئيس صلاحيات تنفيذية واسعة لا تحتاج إلى تشريع جديد: الأوامر التنفيذية، وإدارة السياسة الخارجية، وقيادة القوات المسلحة، فضلًا عن القوانين القائمة أصلًا. في ساحة التشريع وحدها يصبح الفيتو الرئاسي خط دفاعه الأول، ولا يتجاوزه الكونغرس إلا بأغلبية ثلثي أعضاء كل مجلس، وهي عتبة لا يقترب منها أي من الحزبين في الكونغرس الحالي. ويمتد الضغط إلى ملفات حساسة مثل تمويل الحرب والرقابة على السياسة الخارجية. وقد يصل التصعيد إلى إجراءات عزل في مجلس النواب حيث تكفي الأغلبية البسيطة للاتهام، بينما تتطلب الإدانة والعزل أصوات ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ الحاضرين، أي انشقاقًا واسعًا في صفوف الجمهوريين.

السيناريو الثالث: بقاء الكونغرس جمهوريًا

يعني استمرار «الحكم الموحد»، لكن بحدود يفرضها النظام الداخلي لمجلس الشيوخ: فالأغلبية البسيطة تكفي في النواب، بينما يحتاج معظم التشريعات في الشيوخ إلى 60 صوتًا لإنهاء المماطلة المعروفة بـ«الفيليباستر»، وفق قاعدة معمول بها منذ 1975، مع استثناءات محدودة مثل إجراءات الميزانية. وبأغلبية ضئيلة كالحالية، يبقى هامش المناورة ضيقًا، لكنه يسمح بتمرير التعيينات وبعض الأولويات. وهو سيناريو يعترف ترامب نفسه بصعوبته، إذ قال في تصريحات أوردتها PBS إن حزبه يواجه معركة صعبة بالقدر نفسه للاحتفاظ بالمجلسين.

السيناريو الرابع: مجلس نواب جمهوري وشيوخ ديمقراطي

يبقى واردًا أيضًا أن يحتفظ الجمهوريون بمجلس النواب ويخسروا الشيوخ. في هذه الحالة يفقد ترامب ميزة التعيينات؛ إذ يستطيع مجلس شيوخ ديمقراطي تعطيل ترشيحاته للقضاء والمناصب التنفيذية والدبلوماسية، بينما يواصل النواب الجمهوري إقرار مشاريع قوانين يجهضها المجلس الآخر، فيتحول الكونغرس إلى حالة شلل متبادل حتى انتخابات 2028.

ماذا بعد؟

مهما كانت النتيجة، فإن ما سيُحسم في الثالث من نوفمبر ليس اسم الرئيس، بل هامش حركته: هل يحكم بقلم تنفيذي منفرد أم بكونغرس شريك؟ الفارق بين بقاء الأغلبية وقلبها لا يتجاوز ثلاثة مقاعد في النواب وأربعة في الشيوخ، وقد تقرره بضعة آلاف من الأصوات في حفنة من الولايات. فإن تغير لون أحد المجلسين، كُتب العامان الأخيران من ولاية ترامب بلغة مختلفة عن عاميه الأولين؛ وإن بقي الكونغرس على حاله، كان ذلك بحد ذاته خروجًا عن الاتجاه التاريخي يُقرأ كتفويض جديد لحزب الرئيس.