منذ أن غيّرت قنبلتا هيروشيما وناجازاكي مسار التاريخ في عام 1945، لم يعد الخطر النووي مرتبطًا فقط بقرار متعمد لاستخدام السلاح، بل أصبح العالم أمام احتمال آخر أكثر تعقيدًا: أن يقود إنذار خاطئ أو سوء تقدير أو تصعيد غير محسوب إلى كارثة لا يمكن التراجع عنها.

وبعد أكثر من 81 عامًا على أول استخدام للأسلحة النووية في الحرب، لا تزال آلاف الرؤوس النووية موجودة حول العالم، بينما تواجه منظومة الحد من الأسلحة ونزع السلاح ضغوطًا متزايدة. ووفق أحدث تقديرات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام "SIPRI"، كان لدى 9 دول نحو 12,187 رأسًا نوويًا في يناير 2026، منها نحو 9,745 رأسًا ضمن مخزونات عسكرية يمكن استخدامها، فيما كان نحو 4,012 رأسًا منشورًا مع القوات التشغيلية.

ومع استمرار تحديث الترسانات وتراجع بعض أطر الحد من الأسلحة، يعود السؤال حول قدرة المجتمع الدولي على تقليل مخاطر الاستخدام غير المقصود أو سوء التقدير، والحفاظ على آليات الرقابة والاتصال التي تحول دون تحول خطأ واحد إلى كارثة نووية.

وفي اليوم الدولي للقضاء التام على الأسلحة النووية، الذي يوافق 26 سبتمبر من كل عام، يستعرض التقرير رحلة الخطر النووي من هيروشيما إلى اليوم، وحجم الترسانة العالمية، وكيف يمكن للأخطاء والإنذارات الكاذبة أن ترفع مخاطر التصعيد، وما الأدوات والمعاهدات التي استخدمها العالم للحد من هذا الخطر.

من هيروشيما إلى اليوم

في أغسطس 1945، استخدمت الولايات المتحدة القنابل الذرية ضد مدينتي هيروشيما وناجازاكي اليابانيتين، في أول استخدام للأسلحة النووية في الحرب. وتقدر الأمم المتحدة أن القنبلتين أودتا بحياة نحو 213 ألف شخص على الفور.

وبعد الحرب العالمية الثانية، تحولت الأسلحة النووية إلى عنصر رئيسي في حسابات الأمن الدولي، وبدأ سباق لتطوير الترسانات بين القوى الكبرى، بالتزامن مع محاولات دولية لوضع قواعد للحد من انتشارها.

وتشير الأمم المتحدة إلى أن نزع السلاح النووي كان حاضرًا منذ أول قرار للجمعية العامة في عام 1946، الذي حدد القضاء على الأسلحة الذرية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل كأحد أهداف المنظمة. لكن بعد مرور أكثر من ثمانية عقود، لم تختفِ الأسلحة النووية، بل لا تزال 9 دول تمتلك ترسانات نووية وفق تقديرات SIPRI لعام 2026.

أكثر من 12 ألف رأس نووي حول العالم

تقدر "SIPRI" إجمالي المخزون العالمي بنحو 12,187 رأسًا نوويًا في يناير 2026، موزعة على الولايات المتحدة وروسيا والمملكة المتحدة وفرنسا والصين والهند وباكستان وكوريا الشمالية وإسرائيل.

ومن إجمالي هذه الترسانة، كان نحو 9,745 رأسًا ضمن مخزونات عسكرية يمكن استخدامها، بينما كان نحو 4,012 رأسًا منشورًا على صواريخ وطائرات، مع وجود بقية الرؤوس في مخازن مركزية. وبحسب التقديرات كان ما بين 2,100 و2,200 رأس نووي منشور كان في حالة تأهب تشغيلي مرتفع على صواريخ باليستية، وكان معظمها تابعًا للولايات المتحدة وروسيا، مع عدد أقل لدى فرنسا وبريطانيا.

وتشير تقديرات المعهد إلى أن الولايات المتحدة وروسيا تمتلكان معًا نحو 83% من الرؤوس النووية الموجودة في المخزونات العسكرية القابلة للاستخدام، بينما تواصل الدول النووية التسع برامج لتحديث ترساناتها بدرجات مختلفة.

الخطر لا يأتي من قرار متعمد فقط

لا يرتبط خطر السلاح النووي بالقرار السياسي باستخدامه فقط؛ فأنظمة الإنذار المبكر والقيادة والسيطرة النووية يمكن أن تتعرض لأخطاء تقنية أو قراءات خاطئة، خصوصًا في أوقات التوتر التي تقل فيها مساحة الوقت المتاحة للتحقق واتخاذ القرار.

وفي ورقة مقدمة إلى مؤتمر مراجعة معاهدة عدم الانتشار النووي لعام 2026، أشير إلى قابلية أنظمة الإنذار المبكر والقيادة والسيطرة النووية للخطأ، وإلى وجود حالات موثقة من الإنذارات الكاذبة بهجوم نووي. كما تناولت الورقة قابلية اتخاذ القرار البشري للخطأ عند التعامل مع أنظمة معقدة وذات عواقب شديدة.

وتزداد أهمية هذا الجانب مع دخول تقنيات جديدة إلى المجال العسكري؛ إذ تشير SIPRI في دراسة منشورة عام 2026 إلى أن التداخل بين القدرات النووية وغير النووية، إلى جانب العمليات في مجالات مثل الفضاء الإلكتروني والفضاء الخارجي والأنظمة المتقدمة، يخلق مسارات جديدة محتملة للتصعيد النووي.

عندما كاد الخطأ يتحول إلى حرب نووية

تاريخ الحرب الباردة يقدم أمثلة على خطورة الإنذارات الخاطئة. ففي 26 سبتمبر 1983، أظهر نظام إنذار سوفيتي مبكر أن الولايات المتحدة أطلقت صواريخ باتجاه الاتحاد السوفيتي، لكن الضابط المناوب شكك في صحة الإنذار ولم يمرره باعتباره هجومًا حقيقيًا، ليتبين لاحقًا أن النظام أخطأ في تفسير الإشارات. وتوثق جمعية الحد من الأسلحة "Arms Control Association" الواقعة باعتبارها واحدة من أشهر حالات الإنذار النووي الكاذب خلال الحرب الباردة.

وتوضح هذه الواقعة أن وجود الأسلحة النووية لا يجعل الخطر مرتبطًا فقط بقرار سياسي متعمد، وإنما أيضًا بمدى دقة أنظمة الإنذار، وقدرة المسؤولين على التحقق من المعلومات قبل اتخاذ قرارات قد تكون عواقبها غير قابلة للعكس.

كيف حاول العالم الحد من الخطر النووي؟

منذ بداية العصر النووي، طورت الدول والمجتمع الدولي مجموعة من الاتفاقيات والآليات التي تستهدف الحد من الانتشار، ومنع التجارب، وتقليص الترسانات، وتعزيز الرقابة والتحقق.

وتأتي معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية "NPT" في مقدمة هذه الأدوات. ووفق الأمم المتحدة، تضم المعاهدة 191 دولة طرفًا، وتهدف إلى منع انتشار الأسلحة والتكنولوجيا النووية، وتعزيز الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، ودفع جهود نزع السلاح النووي. ودخلت المعاهدة حيز التنفيذ عام 1970، وأصبحت حجر الأساس لنظام عدم الانتشار النووي العالمي.

وتقوم المعاهدة على ثلاثة محاور رئيسية: عدم الانتشار، ونزع السلاح النووي، والاستخدامات السلمية للطاقة النووية، مع وجود آليات للتحقق من الالتزامات المتعلقة بعدم الانتشار. لكن مؤتمر مراجعة معاهدة عدم الانتشار لعام 2026 انتهى في 22 مايو من دون وثيقة ختامية توافقية، ليكون المؤتمر الثالث على التوالي الذي لا يتوصل إلى وثيقة نهائية.

المعاهدات تحت الضغط.. ماذا بعد "نيو ستارت"؟

كان الحد من الترسانات الاستراتيجية الأمريكية والروسية يعتمد لسنوات على معاهدة "نيو ستارت"، التي وضعت قيودًا على الأسلحة الاستراتيجية الهجومية لدى البلدين، إلى جانب آليات لتبادل البيانات والتحقق.

لكن المعاهدة انتهت في 5 فبراير 2026 من دون اتفاق خلف لها. وتقول الأمم المتحدة إن انتهاء المعاهدة يعني أنه، للمرة الأولى منذ سبعينيات القرن الماضي، لم تعد هناك حدود متفق عليها بموجب معاهدة ثنائية تحد الترسانات النووية الاستراتيجية للولايات المتحدة وروسيا.

وكانت المعاهدة تضع سقفًا يبلغ 1,550 رأسًا نوويًا استراتيجيًا منشورًا لكل من الولايات المتحدة وروسيا، وفق SIPRI. كما شملت آليات لتبادل البيانات وإجراءات التحقق، وهو ما جعلها إطارًا للشفافية والتنبؤ بشأن الترسانتين. ومع انتهاء "نيو ستارت"، أصبحت مسألة استعادة إطار للحد من الأسلحة الاستراتيجية إحدى القضايا الرئيسية في النقاش الدولي حول مستقبل الحد من المخاطر النووية.

منع التجارب النووية.. خط دفاع آخر

إلى جانب الحد من الترسانات ومنع الانتشار، يمثل منع التجارب النووية أحد المسارات الرئيسية لتقييد تطوير الأسلحة النووية. وتشير منظمة معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية "CTBTO" إلى أن المعاهدة حظيت بتوقيع 188 دولة وتصديق 179 دولة حتى يوليو 2026، لكنها لم تدخل حيز التنفيذ بعد. ويتطلب دخولها حيز التنفيذ استكمال التصديق من دول محددة ضمن الملحق الثاني للمعاهدة.

وتوضح المنظمة أن العالم شهد أكثر من 2,000 تجربة نووية خلال العقود الخمسة السابقة لفتح المعاهدة للتوقيع عام 1996، بينما أُجريت 10 تجارب فقط منذ ذلك التاريخ، وكانت كوريا الشمالية الدولة الوحيدة التي أجرت تجارب نووية في القرن الحادي والعشرين.

كيف تحمي البشرية نفسها من "الخطأ الكارثي"؟

لا يعتمد الحد من خطر الاستخدام غير المقصود على إجراء واحد، بل على مجموعة من الآليات التي تهدف إلى تقليل فرص الخطأ وسوء التقدير والتصعيد.

وتشير المصادر الدولية المتخصصة إلى أهمية تحسين أنظمة الإنذار المبكر والقيادة والسيطرة، وإتاحة وقت أكبر للتحقق من الإنذارات، والحفاظ على قنوات الاتصال والحوار بين الدول النووية، وتعزيز الشفافية وإجراءات التحقق، إلى جانب الحد من انتشار الأسلحة النووية. كما تبرز أهمية التعامل مع المخاطر التي تفرضها التقنيات الجديدة على الاستقرار النووي.

وتظل المعاهدات الدولية، مثل معاهدة عدم الانتشار والحظر الشامل للتجارب، جزءًا من هذه المنظومة، بينما يمثل الحد من الترسانات الاستراتيجية واستعادة أطر التحقق والشفافية تحديًا إضافيًا بعد انتهاء "نيو ستارت".