يستعد أندي بورنهام لتولي رئاسة الحكومة البريطانية، ليصبح سابع رئيس وزراء للبلاد خلال عقد واحد اتسم بعدم الاستقرار السياسي، بعدما تأكد انتخابه زعيمًا جديدًا لحزب العمال الحاكم خلفًا لكير ستارمر.
وفي خطاب قبوله، تعهد بورنهام بإعادة الأمل إلى البريطانيين، ومواجهة الثقافة السياسية والنموذج الاقتصادي الذي وصفه بأنه "لا يخدم الناس العاديين بالشكل الكافي".
ورغم الإعلان الرسمي عن توليه قيادة الحزب، اليوم الجمعة، فإن بورنهام كان المرشح الأبرز منذ فوزه في انتخابات فرعية حاسمة الشهر الماضي، أعادته إلى البرلمان ومهدت الطريق أمامه لتحدي ستارمر، وفقًا لشبكة أخبار "CNN" الأمريكية.
صعود بورنهام بعد تراجع شعبية ستارمر
وجاء صعود بورنهام بعد النتائج الكارثية التي حققها حزب العمال في الانتخابات المحلية خلال مايو، والتي اعتُبرت مؤشرًا على الصعوبات التي قد يواجهها الحزب إذا خاض الانتخابات الوطنية المقبلة بقيادة ستارمر، رغم فوزه الساحق في الانتخابات قبل عامين، وكان بورنهام، الذي كان يشغل آنذاك منصب عمدة مانشستر الكبرى، أبرز البدائل المطروحة داخل الحزب.
وجرى تنظيم انتخابات فرعية في دائرة ماكرفيلد بعد استقالة حليفه جوش سيمونز من مقعده، وهي منطقة تُعد من معاقل حزب العمال التاريخية في شمال إنجلترا، لكنها تشهد صعود حزب الإصلاح الشعبوي اليميني المتشدد.
وحقق بورنهام الفوز في الانتخابات التي حظيت بمتابعة واسعة، ليبعث برسالة إلى نواب حزب العمال القلقين من خسارة مقاعدهم أمام حزب الإصلاح، الذي تصدر استطلاعات الرأي الوطنية لأشهر.
وبعد أيام، أعلن ستارمر عزمه الاستقالة، ليتحول سباق قيادة الحزب سريعًا إلى إجراء شبه محسوم، بعدما حصل بورنهام على دعم أغلبية كبيرة من نواب حزب العمال البالغ عددهم 403 نواب.
مسيرة سياسية لـ"ملك الشَمال"
يدخل بورنهام مقر رئاسة الوزراء في 10 داونينج ستريت يوم الاثنين، بعد مسيرة سياسية امتدت سنوات، وخلال وجوده في وستمنستر بين عامي 2001 و2017، عمل في حكومتي توني بلير وغوردون براون، وتولى لاحقًا منصب وزير الصحة، كما خاض سباق قيادة حزب العمال مرتين دون أن ينجح.
وفي عام 2017، عاد إلى شمال غرب إنجلترا، مسقط رأسه، ليترشح لمنصب عمدة مانشستر الكبرى الذي أُنشئ حديثًا، وخلال توليه المنصب، أصبح بورنهام صوتًا معارضًا لمركزية القرار في لندن، ودافع عن نقل مزيد من الصلاحيات إلى المناطق، وهو ما أكسبه لقب "ملك الشمال"، كما شهد اقتصاد مانشستر وشبكة النقل العام فيها تطورًا خلال فترة قيادته.
ويرى مراقبون أن بورنهام يختلف عن ستارمر في قدرته على التواصل مع الجمهور، إذ يمتلك خطابًا سياسيًا أكثر وضوحًا حول نقل الصلاحيات بعيدًا عن لندن، وقالت سيمون كاي لشبكة "CNN": "هذه تجربة حيّة تؤكد أهمية أسلوب التواصل مع الجمهور"، مضيفةً: "ملف نقل الصلاحيات بدأ بالفعل خلال عهد ستارمر، لكن بورنهام سيعمل على إظهاره بشكل أكبر".
وتابعت: "ستبقى القيود المالية كما هي.. ولكن ما حجم التأثير الذي يمكن أن يحدثه وجود قائد أكثر جاذبية في صفوف حزب العمال بالبرلمان، وفي المزاج العام البريطاني؟".
تحديات اقتصادية وسياسية أمام الحكومة الجديدة
رغم اختلاف أسلوبه عن ستارمر، فإن بورنهام سيواجه الملفات نفسها التي شكلت تحديات للحكومة السابقة، وتحتاج تعهداته، مثل تسريع بناء المساكن الاجتماعية، وإعادة التصنيع، وزيادة السيطرة العامة على المرافق الأساسية، إلى تمويل في ظل قيود الإنفاق نفسها التي واجهت ستارمر.
وقال سيمون كاي، مدير السياسات في مركز الأبحاث "Re:State": "لدى الناس هذا الشعور الضمني بأن الدولة لا تعمل بشكل جيد في الوقت الحالي"، مشيرًا إلى الاقتصاد المتعثر، وخدمة الصحة الوطنية "NHS"، ونظام الرعاية الاجتماعية.
ومن المتوقع أن يصدر في الخريف تقرير حول ارتفاع تكاليف الضمان الاجتماعي، وهو ما قد يضع بورنهام أمام قرارات صعبة، خاصة بعد التداعيات السياسية التي واجهها ستارمر خلال محاولته خفض الإنفاق على الرعاية الاجتماعية.
كما سيتزامن توليه المنصب مع مناقشة إصلاحات مهمة للهجرة في البرلمان، ما يضع هذا الملف على رأس أولوياته منذ البداية.
بورنهام أمام اختبارات معقدة
لن تكون التحديات الداخلية وحدها على أجندة بورنهام، إذ تواجه بريطانيا ضغوطًا اقتصادية وخارجية مرتبطة بخروجها من الاتحاد الأوروبي، وجائحة "كوفيد-19"، وأزمة الطاقة الناتجة عن الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا.
كما قد تؤثر الحرب الإيرانية وارتفاع أسعار الطاقة على توقعات النمو، رغم التوقعات بأن تكون المملكة المتحدة ثالث أسرع الاقتصادات نموًا في مجموعة السبع هذا العام.
وتحاول بريطانيا أيضًا التكيف مع دورها كقوة متوسطة، في ظل محدودية قدرتها على التأثير في الملفات العالمية، وهو ما ظهر في الخلافات حول الميزانية وزيادة الإنفاق الدفاعي، بينما تستمر الحرب في أوكرانيا والشرق الأوسط.
وسيواجه بورنهام تحديات في إدارة علاقات بريطانيا مع الولايات المتحدة وأوروبا، في ظل تداعيات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وسياسات إدارة ترامب.
كما قد يواجه خلافات مع قطاع التقنية، بعد اعتراض السفارة الأمريكية في لندن على خطط حزب العمال لحظر استخدام من هم دون سن السادسة عشرة لمنصات التواصل الاجتماعي، ومعظمها مملوكة لشركات أمريكية، إضافةً إلى احتمال تحول الوصول إلى نماذج الذكاء الاصطناعي إلى نقطة خلاف جديدة.
ومثل سلفه، يتولى بورنهام رئاسة الحكومة في وقت يطالب فيه البريطانيون بالتغيير، لكن قدرة حكومته على تحقيق ذلك ستعتمد على عوامل داخلية وخارجية تتجاوز دور رئيس الوزراء وحده.













