أعاد الجدل حول نزاهة الانتخابات الأمريكية الواجهة بعد تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن أمن الانتخابات، إلا أن تقريرًا لوكالة Associated Press أوضح أن بنية النظام الانتخابي الأمريكي نفسها تُعد أحد أبرز أسباب صعوبة حدوث تزير واسع النطاق، رغم تعقيدها.
نظام انتخابي موزع على آلاف الجهات
تعتمد الولايات المتحدة نظامًا انتخابيًا لا مركزيًا، إذ تُدار الانتخابات عبر أكثر من 10 آلاف دائرة انتخابية موزعة بين الولايات والمقاطعات، ولكل منها قواعدها وإجراءاتها التي تضعها حكومات الولايات، وأحيانًا السلطات المحلية.
ويعود هذا التنظيم إلى الدستور الأمريكي، الذي منح الولايات السلطة الأساسية لتحديد مواعيد الانتخابات وأماكنها وآلية إجرائها، بينما يقتصر دور الكونغرس على تنظيم بعض الجوانب العامة من خلال قوانين مثل قانون حقوق التصويت.
ولا توجد في الولايات المتحدة هيئة وطنية واحدة تتولى إدارة الانتخابات الرئاسية، على خلاف كثير من الدول، إذ تقع مسؤولية تنظيم الانتخابات اليومية على مسؤولي الانتخابات المحليين، بمساندة آلاف الموظفين والمتطوعين.
يرى خبراء أمن الانتخابات أن هذا التشعب الإداري يمثل أحد أهم عناصر حماية العملية الانتخابية، لأن أي محاولة للتلاعب بنتائج انتخابات رئاسية على مستوى البلاد تتطلب تنسيقًا بين أعداد كبيرة من مسؤولي الانتخابات في المقاطعات الأكثر تنافسًا، إلى جانب تعاون مسؤولين من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، مع استعدادهم لتحمل الملاحقة القانونية والغرامات وأحكام السجن، فضلًا عن الحفاظ على سرية العملية بالكامل، وهو ما يجعل حدوثه بالغ الصعوبة.
كما تعتمد الولايات الأمريكية مجموعة من الإجراءات الأمنية المشتركة التي تضمن أن يدلي كل ناخب مؤهل بصوت واحد فقط، وأن تُحتسب كل بطاقة اقتراع بصورة صحيحة.
طبقات متعددة للتحقق من هوية الناخبين
تختلف وسائل التحقق من هوية الناخبين من ولاية إلى أخرى، إلا أنها تعتمد جميعًا على أكثر من مستوى من المراجعة.
ففي التصويت الحضوري، تشترط معظم الولايات إبراز بطاقة هوية أو تطلب من الناخب تأكيد اسمه وعنوانه والتوقيع في سجل الناخبين أو توقيع إقرار رسمي.
أما التصويت عبر البريد، فتُلزم جميع الولايات الناخب بتوقيع بطاقة الاقتراع، بينما تطبق ولايات أخرى إجراءات إضافية، مثل مقارنة التوقيع بالسجلات الرسمية بواسطة فرق تضم ممثلين عن الحزبين، أو اشتراط وجود شاهد أو توثيق قانوني للتوقيع في بعض الحالات.
وتساعد هذه الإجراءات في اكتشاف أي محاولة لاستخدام بطاقة اقتراع أُرسلت إلى عنوان قديم أو استغلال بيانات شخص آخر.
التزوير ممكن... لكنه نادر
مخالفات التصويت قد تحدث، لكنها تبقى نادرة للغاية، كما أن أنظمة المراجعة والتدقيق تكشف كثيرًا منها.
وتشمل الجرائم الانتخابية التصويت أكثر من مرة، أو انتحال شخصية ناخب آخر، أو الإدلاء بمعلومات سكن غير صحيحة، أو التلاعب ببطاقات الاقتراع، وهي مخالفات يعاقب عليها القانون الأمريكي بالغرامات والسجن، وقد يواجه غير المواطنين عقوبة الترحيل إذا خالفوا قوانين الانتخابات.
أجرت وكالة Associated Press عام 2021 مراجعة شملت جميع الحالات المحتملة للتزوير في الولايات الست المتأرجحة التي طعن ترامب في نتائجها خلال انتخابات 2020.
وخلصت المراجعة إلى رصد أقل من 475 حالة محتملة فقط، وهو رقم لم يكن كافيًا بأي حال لتغيير نتيجة الانتخابات التي فاز فيها الرئيس السابق جو بايدن.
كما رفضت محاكم أمريكية، ومسؤولو الانتخابات في الولايات، ووزارة الأمن الداخلي، مزاعم حدوث تزوير واسع النطاق. وأكد وزير العدل الأمريكي الأسبق ويليام بار، الذي عيّنه ترامب نفسه، أنه لم يتم العثور على أدلة تثبت وقوع عمليات تزوير بالحجم الكافي لتغيير نتيجة الانتخابات.
ويرى خبراء الانتخابات أن قوة النظام الأمريكي لا تكمن في بساطته، بل في توزيع الصلاحيات، وتعدد جهات الإشراف، ووجود طبقات متتابعة من إجراءات التحقق والمراجعة، وهي عوامل تجعل أي محاولة للتلاعب بنتائج الانتخابات على المستوى الوطني شديدة التعقيد وصعبة التنفيذ.













