تحولت الحرب مع إيران من استهداف برنامجها النووي وشبكاتها الإرهابية إلى صراع يتركز على السيطرة على مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية للتجارة العالمية.
ويعد المضيق شريانًا رئيسيًا لعبور النفط والغاز الطبيعي والأسمدة والعديد من السلع، ما يجعل أي تغيير في وضعه ذا تأثير مباشر على حركة التجارة الدولية.
ويحذر محللون من أن استمرار سيطرة إيران أو الولايات المتحدة على المضيق قد يهدد مبدأ حرية الملاحة، الذي شكّل ركيزة أساسية للتجارة العالمية على مدى قرون.
وقال إريك غروندت، كبير المحللين في شركة "ريستاد إنرجي" الاستشارية، إن هذا التطور قد يشكل "سابقة خطيرة"، مضيفًا: "قد يؤدي هذا إلى زيادة التكلفة بكثير في التجارة البحرية الدولية، وهي تكلفة سيتم تمريرها في النهاية إلى المستهلكين النهائيين"، وفقًا لشبكة "CNN" الأمريكية.
مضيق هرمز.. ورقة الضغط الإيرانية الجديدة
ويتعين على السفن الراغبة في عبور المضيق التنسيق مع هيئة مضيق الخليج الفارسي الإيرانية، وهو ما قد يستلزم دفع رسوم، أو المخاطرة بالتعرض لإطلاق النار من جانب القوات المسلحة الإيرانية والحرس الثوري.
ورغم تعليق الرسوم مؤقتًا بعد توقيع مذكرة تفاهم لمدة 60 يومًا بين إيران والولايات المتحدة في 18 يونيو، فإن إيران واصلت إدارة حركة العبور عبر نظام إدارة أمن النقل البري.
واستندت طهران إلى بند في مذكرة التفاهم يدعوها إلى "اتخاذ الترتيبات اللازمة لضمان المرور الآمن للسفن التجارية"، معتبرة أنه يمنحها غطاءً لإدارة المضيق، وقالت، الثلاثاء، إن أكثر من 200 سفينة غير إيرانية نسقت مع سلطة مضيق الخليج العربي خلال الأسابيع الثلاثة التالية لتوقيع المذكرة، إلا أن "CNN" أشارت إلى أنها لم تتمكن من التحقق من هذا الادعاء بشكل مستقل.
في المقابل، رأت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن المذكرة تعني السماح بحرية عبور السفن خلال فترة الستين يومًا، وخلال تلك الفترة ارتفع عدد السفن العابرة إلى نحو 70 سفينة يوميًا، أي ما يقارب نصف متوسط الحركة اليومية قبل الحرب، لكن مع عودة التوتر في المضيق، تراجعت حركة الملاحة إلى ما يزيد قليلًا على 12 عملية عبور يوم الأحد.
رسوم الـ20%.. مقترح لم يصمد 24 ساعة
وفي وقتٍ سابق، أعلن الرئيس دونالد ترامب عزمه فرض رسوم بنسبة 20% على السفن التجارية العابرة لمضيق هرمز مقابل الحماية التي توفرها الولايات المتحدة للممر المائي، قبل أن يتراجع عن القرار خلال أقل من 24 ساعة من نشره عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
ووفقًا لجمعية الشحن "بيمكو" فإن هذه الرسوم كانت ستصل إلى نحو 27 مليون دولار للرحلة الواحدة لناقلة نفط عملاقة.
ورغم أن الاقتراح لم يُنفذ، فإنه منح، بحسب "CNN"، قدرًا من الشرعية للموقف الإيراني، وهو ما استغلته طهران في تعليقات ساخرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
من جانبه، وصف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي النسبة التي طرحها ترامب بأنها مرتفعة، وكتب، يوم الاثنين: "20% نسبة مبالغ فيها.. سنكون منصفين".
تكاليف أعلى.. ومخاطر قانونية على الملاحة
وقال روب ثوميل، مدير المحافظ الاستثمارية الأول في شركة تورتويس كابيتال، إن فرض رسوم لعبور مضيق هرمز قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن إذا أصبح هذا النهج سائدًا.
وتقاضت إيران، بحسب تقديرات، ما بين دولار ودولارين عن كل برميل نفط على متن الناقلات، بما يعادل نحو مليوني دولار للناقلة العملاقة الواحدة.
لكن المشكلة لا تقتصر على الرسوم، إذ إن شركات التأمين قد ترفض تغطية السفن التي تدفع أموالًا إلى جهات خاضعة للعقوبات، بما يشمل عددًا من المؤسسات الإيرانية.
وقال نايجل غرين، الرئيس التنفيذي لشركة دي فير غروب: "بغض النظر عن الجدل القانوني، فإن القرار سيكون في النهاية بيد شركات التأمين، وإذا ارتبطت رسوم العبور بمخاطر العقوبات، فقد ترفض إصدار وثائق التأمين".
وفي حال تولت جهة ثالثة، مثل سلطنة عمان، تحصيل الرسوم، فمن المرجح أن تظل هذه الممارسة مخالفة للقانون البحري الدولي، بما في ذلك اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار "UNCLOS"، وهو ما قد يدفع شركات التأمين إلى رفض تغطية الرحلات.
هل تنتشر رسوم العبور إلى ممرات العالم؟
ويحذر الخبراء من أن تحويل العبور في مضيق هرمز إلى مصدر إيرادات قد يشجع دولًا أخرى على فرض رسوم مماثلة في ممرات استراتيجية، من بينها إندونيسيا وسنغافورة والصين وتايوان والمملكة المتحدة.
وبحسب تقديرات ميشيل بروهارد وإيمانويل بيلوسترينو، كبيري المحللين في ريستاد إنرجي، فإن الإيرادات المحتملة من فرض رسوم على المرور عبر 10 نقاط اختناق بحرية رئيسية، من بينها هرمز وجبل طارق وملقا ودوفر وتايوان، قد تتجاوز 136 مليار دولار سنويًا، وقالا إن هذا السيناريو قد يقود إلى "عالم أكثر تضخمًا وأكثر انقاسمًا وأكثر عسكرة".












