تتصاعد حدة التوترات العسكرية والسياسية بين الولايات المتحدة وإيران بشكل متسارع، إذ هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتدمير البنية التحتية المدنية الإيرانية، بما في ذلك الجسور ومحطات توليد الطاقة، خلال الأسبوع المقبل ما لم تستجب طهران للضغوط وتعد إلى طاولة المفاوضات.
وجاءت هذه التهديدات الصارمة، التي أدلى بها ترامب في مقابلة مع قناة فوكس نيوز، في وقت يتبادل فيه الطرفان القصف الصاروخي والجوي لليوم الرابع على التوالي، ما يهدد بجر المنطقة إلى مواجهة شاملة غير مسبوقة، وتثير التهديدات الأمريكية باستهداف المنشآت المدنية الإيرانية قلقًا حقوقيًا دوليًا، إذ سبق وأن حذر فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، من أن قصف البنية التحتية المدنية والجسور يمثل انتهاكًا صارخًا لاتفاقيات جنيف لعام 1949، ويعتبر جريمة حرب بموجب القانون الدولي الإنساني.
طهران: الإجراءات العسكرية لن تجبرنا على التفاوض
ومن جهتها، أعلنت طهران رفضها القاطع للإملاءات الأمريكية، وصرحت الخارجية الإيرانية بأن الحصار الأمريكي يمثل تفكيكًا لاتفاق الهدنة السابق ومذكرة التفاهم التي تم التوصل إليها في يونيو الماضي، مؤكدة أن تشديد الإجراءات العسكرية والحصار لن يجبر إيران على التفاوض.
وقد ألقت هذه التطورات بظلالها الفورية على الأسواق العالمية، وأظهرت بيانات الشحن تراجع حركة الملاحة عبر مضيق هرمز الاستراتيجي إلى أدنى مستوياتها في شهرين، ما أدى إلى قفزة حادة في أسعار النفط العالمية وخام برنت، وسط مخاوف حقيقية من تعطل إمدادات الطاقة العالمية وتأثر الاقتصاد الدولي سلبًا باستمرار الصراع.
تراجع ترامب عن فرض رسوم مضيق هرمز
وفي تطور لافت، تراجع ترامب عن خطته السابقة لفرض رسوم بنسبة 20% على سفن الشحن المارة عبر مضيق هرمز لتمويل حمايته، واستبدلها باتفاقيات تجارية واستثمارية ضخمة مع دول الخليج بعد تلقيه اتصالات من قادة المنطقة، لكنه قرر في المقابل استئناف الحصار البحري الكامل على الموانئ الإيرانية لزيادة الضغط الاقتصادي على طهران.
وتزامن هذا التصعيد اللفظي مع تحركات عسكرية واسعة على الأرض، فقد نفذت القوات الأمريكية ضربات جوية مكثفة استمرت 7 ساعات واستهدفت عشرات المواقع العسكرية الإيرانية بالقرب من مضيق هرمز لإضعاف قدرة طهران على تهديد الشحن البحري، وأدت هذه الغارات إلى مقتل 7 عسكريين إيرانيين على الأقل في قاعدة عسكرية بمدينة بامبور جنوب شرق إيران.
وردًا على ذلك، شنت طهران هجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة استهدفت مواقع أمريكية في الأردن والكويت والبحرين، حيث أعلنت السلطات الكويتية والبحرينية نجاح دفاعاتها الجوية في اعتراض وتدمير تلك الهجمات الجوية في الساعات الأولى من صباح اليوم الأربعاء.
وفي الوقت ذاته، اتهمت القيادة المركزية الأمريكية الحرس الثوري الإيراني باستهداف المدنيين عمدًا عبر مهاجمة 7 سفن تجارية في المنطقة، ما أسفر عن سقوط ضحايا ومصابين بين أفراد طواقمها المدنية، وشملت هذه الهجمات استهداف ناقلتين إماراتيتين بصواريخ كروز أسفرت عن مقتل بحار هندي وإصابة 8 آخرين، وهو ما أكده الحرس الثوري الإيراني لاحقًا مبررًا الهجوم بتجاهل الناقلتين للتحذيرات الملاحية، كما عُثر على جثة بحار هندي آخر كان مفقودًا بعد هجوم استهدف سفينة ترفع العلم القبرصي قبالة سواحل عمان، وسط اتهامات أمريكية لإيران بالوقوف وراء الحادث.
لماذا يتراجع ترامب عن قراراته بشأن إيران؟
ويمثل التراجع السريع والمفاجئ في قرارات الرئيس ترامب تجاه إيران، والذي تجسد في طرح مقترح عسكري أو اقتصادي هجومي ثم التخلي عنه في غضون 24 ساعة فقط، مدخلًا رئيسيًا لفهم طبيعة رئيس يبحث باستمرار عن مخارج غير تقليدية من مواقف سياسية وعسكرية معقدة.
هذا التذبذب في المواقف يعكس رغبة ترامب في الحفاظ على صورة القائد الصارم القادر على فرض شروطه، بينما يصطدم على أرض الواقع بحسابات داخلية ودولية بالغة الحساسية تجبره على التراجع، فهو يدرك أن المضي قدمًا في التصعيد العسكري الشامل أو فرض عقوبات أحادية غير مدروسة قد يجر بلاده إلى مستنقع حرب استنزاف طويلة لا تحظى بشعبية محليًا، فضلًا عن تداعياتها الكارثية المباشرة على الاقتصاد العالمي وأسعار الطاقة.
وتراجع ترامب ينقذه من تناقض صارخ مع مواقف إدارته السابقة، حيث كان وزير خارجيته ماركو روبيو قد أدان بشدة في وقت سابق محاولات إيران فرض رسوم مماثلة، واصفًا إياها بأنها انتهاك صريح للقوانين الدولية التي تحظر فرض أي ضرائب على الممرات المائية الدولية.
ويأتي هذا التراجع والبحث عن بدائل في وقت انهارت فيه مذكرة التفاهم التي تم التوصل إليها قبل شهر واحد فقط، والتي كانت تمنح أملًا في وقف مؤقت لإطلاق النار ووضع إطار للمفاوضات.
خوف من حربة أبدية بالشرق الأوسط
وفي نهاية المطاف، يجد ترامب نفسه محاصرًا بين رغبته في عدم إنهاء الصراع دون اتفاق يبدو أفضل من الاتفاق النووي الذي أبرمته إدارة باراك أوباما عام 2015، وبين خوفه الشديد من الانزلاق في "حرب أبدية" جديدة في الشرق الأوسط كان قد وعد مؤيديه مرارًا بتجنبها.
ويحذر المراقبون من أن استمرار هذا المأزق دون حل جذري قد يحول الصراع إلى حرب استنزاف طويلة الأمد تذكر بالمعضلة التاريخية التي واجهت الرئيس ليندون جونسون في حرب فيتنام وأنهت طموحاته السياسية، وهكذا، يظل التراجع وإعادة صياغة التهديدات الأداة المفضلة لترامب للمناورة في وقت تبدو فيه نهاية الحرب مع إيران بعيدة المنال.












