شهد الاقتصاد العالمي واحدة من أعنف الهزات في تاريخ قطاع الطاقة الحديث، حيث استوعبت الأسواق الدولية خسارة تجاوزت المليار برميل من إمدادات النفط منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية.
ورغم ضخامة هذه الأزمة، التي بلغت ذروتها بنقص يومي في الإمدادات وصل إلى نحو 14 مليون برميل إثر تضييق طهران لحركة الملاحة في مضيق هرمز الاستراتيجي، فإن العالم أظهر مرونة مدهشة في التعامل مع هذا التهديد الكارثي.
ويعود هذا الصمود جزئيًا إلى تحولات هيكلية بعيدة المدى، إذ انخفضت كثافة استهلاك النفط في النشاط الاقتصادي بمقدار النصف في الدول المتقدمة ونحو الخمس في الدول النامية منذ السبعينيات، ما جعل المنظومة الاقتصادية الحالية أكثر قدرة على التكيف وأقل تأثرًا بالصدمات النفطية التقليدية.
ولعبت الصين دورًا محوريًا في تخفيف حدة هذه الأزمة العالمية عبر إجراء تعديلات جوهرية في نمط استهلاكها، فباعتبارها أكبر مستورد للنفط في العالم، كانت تمتلك مخزونًا هائلًا يقارب 1.4 مليار برميل عند بداية الحرب، وهو ما يتجاوز الاحتياطي الإجمالي لجميع الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية مجتمعة.
هذا المخزون الضخم، مقترنًا بالتوسع السريع والديناميكي في اعتماد السيارات الكهربائية والمرونة العالية في قطاع البتروكيماويات، جعل بكين قادرة على إدارة السوق بكفاءة عالية وتخفيض مشترياتها الخارجية، ما خفف الضغط على الطلب العالمي بشكل ملموس.
وبالتوازي مع الدور الصيني، سارعت قوى إقليمية ودولية لاتخاذ تدابير استثنائية، فقد نجحت المملكة العربية السعودية والإمارات في إيجاد مسارات بديلة لتصدير نفطهما بعيدًا عن المضيق المهدد، بينما قادت وكالة الطاقة الدولية طرحًا قياسيًا للمخزونات لتعويض النقص.
وتضافرت هذه العوامل مع إدارة ذكية وتوجيه إعلامي مدروس من جانب واشنطن، التي نجحت في طمأنة الأسواق عبر التأكيد المستمر على قرب انتهاء الحرب وتدفق المزيد من الإمدادات البديلة، ما جعل صناديق التحوط والمستثمرين يترددون في المراهنة على ارتفاعات جنونية للأسعار.
ونتيجة لذلك، لم تتحقق المخاوف الكارثية بنفاد الوقود في آسيا وأوروبا، وبدأت الأسعار تتراجع تدريجيًا بعد أن بلغت ذروتها عند 126 دولارًا للبرميل في أبريل، لتستقر عند مستويات أدنى مما كانت عليه قبل النزاع، خصوصًا مع توقيع اتفاقية مبدئية لإنهاء الحرب وبدء هدنة مؤقتة مدتها ستون يومًا.
مؤشرات إيجابية في أزمة النفط ولكنها سطحية
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية السطحية وتفاؤل التجار بعودة الأمور إلى طبيعتها، فإن الواقع يحمل في طياته مخاطر جسيمة ومستقبلًا غير مستقر، إذ إن الاقتصاد العالمي تجنب الصدمة الفورية عبر استنزاف منظم لشبكة الأمان الخاضعة لإشراف وكالة الطاقة الدولية، والتي أطلقت نحو 400 مليون برميل من الاحتياطيات.
هذا السحب القياسي ترك المنظومة الدولية دون درع حماية كافٍ ضد أي أزمات إمداد مستقبلية، ما يجعل الأسعار وعقود النفط الآجلة أكثر عرضة لقفزات مفاجئة وحادة عند حدوث أي اضطراب جديد، ومثل هذه التقلبات تحمل تكاليف باهظة للاقتصاد العالمي، إذ تشير التقديرات إلى أن كل زيادة بمقدار 5 دولارات في سعر البرميل تضيف عبئًا سنويًا يقارب 190 مليار دولار.
وتتضاعف هذه المخاطر مع حقيقة أن إعادة بناء وتجديد هذه المخزونات المستنزفة لن تكون عملية سهلة أو رخيصة، إذ تُقدر تكلفة استبدال الاحتياطيات التي فُقدت خلال الحرب بأكثر من 70 مليار دولار بالأسعار الحالية.
وتزامن ذلك مع مراجعة البنوك المركزية، وفي مقدمتها البنك المركزي الأوروبي، لتوقعاتها طويلة الأجل لأسعار النفط للأعوام المقبلة، لترتفع من النطاق السابق البالغ نحو 63 دولارًا إلى متوسط يتراوح بين 65 و75 دولارًا للبرميل.
وما يزال المسار نحو تحقيق سلام مستدام معقدًا وبطيئًا للغاية، مع بقاء ملفات شائكة ودون حلول حاسمة مثل البرنامج النووي الإيراني، فضلًا عن أن إصلاح الأضرار الجسيمة التي لحقت بالبنية التحتية للطاقة في دول الخليج سيتطلب سنوات طويلة.
وفي ظل هذه المعطيات، يرى خبراء الطاقة أن الأسواق قد تكون مفرطة في التفاؤل ومستخفة باحتمالات تجدد الصراع، خصوصًا وأن غياب شبكة الأمان النفطية يترك العالم مكشوفًا أمام رغبة طهران المستمرة في إيجاد الذرائع لعرقلة حركة الملاحة مجددًا.













