في خطوة تعكس تصاعد التوترات الأيديولوجية في الولايات المتحدة، شهدت العاصمة واشنطن مسيرة استعراضية مثيرة للجدل تزامنت مع احتفالات الذكرى الـ250 لتأسيس البلاد، حيث جاب مئات الرجال المقنعين الشوارع وصولاً إلى تلة الكابيتول وهم يحملون العلم الكونفدرالي ويرددون شعارات مستوحاة من الأدبيات الوطنية مثل "الحياة، الحرية، النصر!" و"استعيدوا أمريكا!".
هذا الاستعراض الخاطف، الذي بدأ من أمام محطة "يونيون ستشين" وامتد إلى عربات مترو الأنفاق تحت أنظار الركاب المتوجسة، لم يكن مجرد احتجاج عابر، بل جاء كإعلان قوة مدروس من فاشية جديدة تجيد استغلال المناسبات الوطنية لتمرير أيديولوجية تعتمد على تفوق العرق الأبيض ومعاداة المهاجرين.
تأسيس الحركة
تأسست جبهة "باتريوت فرونت" عام 2017 على يد "توماس روسو"، وولدت من رحم الانقسامات التي ضربت معسكر اليمين المتطرف عقب مسيرة "وحدوا اليمين" الدامية في شارلوتسفيل بولاية فرجينيا، حيث انشقت آنذاك عن جماعة "فانغارد أميركا" العنصرية التي كانت في قلب تلك الأحداث العنيفة.
وعلى مدار السنوات اللاحقة، نجحت الحركة في اكتساب حضور بارز مستفيدة من مناخ سياسي عام حظي فيه المؤمنون بسيادة البيض باحتضان واسع من قِبل إدارة ترامب السابقة.
أهداف عرقية
وتتبنى "باتريوت فرونت" أيديولوجية تركز بشكل أساسي على فكرة حصر الهوية الأمريكية في العرق الأبيض، فهي تسعى لنشر خطاب يرى في التنوع الديموغرافي وتدفق المهاجرين تحديًا للهوية الثقافية للبلاد.
وأوضح لوك بومغارتنر، الباحث في برنامج التطرف بجامعة جورج واشنطن، أن المنظمة تعتمد على تقديم شعاراتها عبر ألوان العلم الأمريكي الثلاثة بهدف محاكاة المشاعر الوطنية، في حين تشير الرموز المستخدمة في أدبياتها إلى تأثر واضح بالإرث البصري للحركات الفاشية في عشرينيات وثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي.
هذا التحليل يتماشى مع ما ذكره جون كوهين، المسؤول السابق في مكافحة الإرهاب والاستخبارات بوزارة الأمن الداخلي خلال إدارتي أوباما وبايدن، من أن الحركة تبذل جهودًا واضحة للظهور كتيار رئيسي ومقبول مجتمعيًا، بينما تحمل أطروحاتها في الجوهر معتقدات إقصائية وقائمة على التمييز.
تكتيكات إعلامية مخادعة
إلى جانب التمويه الأيديولوجي، تدار الحركة بعقلية تشبه شركات الإنتاج الإعلامي المعاصرة، وهو ما كشفت عنه "مورغان مون"، الباحثة الاستقصائية في مركز مكافحة التطرف التابع لرابطة مكافحة التشهير، إذ ترى أنه لا توجد جماعة أخرى تؤمن بسيادة البيض في واشنطن اليوم تضاهي "باتريوت فرونت" في قدرتها الفائقة على التمويل الذاتي والإنتاج الإعلامي عالي الجودة والتعبئة السريعة عبر مختلف الولايات.
وتعتمد استراتيجيتهم على تكتيكات الصدمة والظهور الخاطف بملابس وأقنعة بيضاء موحدة، إلى جانب حملات لصق المنشورات وإسقاط اللافتات الضخمة على الطرق السريعة. بل إن قادة الجماعة يحاولون بانتظام تبييض سمعتهم واستقطاب التعاطف الشعبي من خلال ادعاء المشاركة في أعمال مجتمعية، مثلما زعم مؤسس الحركة مؤخرًا بشأن انخراط جماعته في جهود الإغاثة بعد فيضانات وسط تكساس.
وقد أثارت المسيرة الأخيرة ردود أفعال متباينة عكست حجم الانقسام؛ فبينما واجههم بعض المتظاهرين المناهضين في الشوارع بهتافات منددة، اكتفت إدارة شرطة العاصمة بمراقبة التحرك باعتباره يندرج تحت أنشطة التعبير السلمي وحرية الرأي المضمونة في التعديل الأول للدستور الأمريكي.
مع ذلك، يرى الخبراء الأمنيون أن قدرة هذه الجماعة على التظاهر بجرأة في أعياد وطنية كبرى، مثل عيد الاستقلال الحالي أو يوم الذكرى السابق في فرجينيا بيتش، تعد مؤشرًا صارخًا على عمق الأزمة التي تواجهها أمريكا مع ملف التطرف الداخلي.
هذه التطورات تتزامن مع مناخ سياسي مشحون، حيث ألقى دونالد ترامب خطابًا أدان فيه ما وصفه بـ "الخطر الشيوعي" المزعوم في البلاد لتدشين احتفالات ذكرى التأسيس، في حين التزم البيت الأبيض الصمت وامتنع عن الرد على استفسارات الصحافة، حول ما إذا كان ترامب يدين بشكل قاطع هذا التحرك الاستعراضي الأخير للفاشية الجديدة.











