عاشت القيادة السياسية والأمنية في إسرائيل لحظة حرجة في وقت متأخر من ليلة الأحد الماضي، حملت في طياتها تحولاً دراماتيكيًا في مسار العلاقات التحالفية بين واشنطن وتل أبيب.
فبينما كان رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مجتمعًا مع مجلس وزرائه الأمني في خندق محصن تحسبًا لاحتمال إطلاق صواريخ باليستية إيرانية، تلقى اتصالاً هاتفيًا من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أبلغه فيه بالتوصل إلى مذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران.
وكان هذا الاتصال هو الثاني في ذلك اليوم بين الزعيمين؛ حيث شهد الاتصال الأول حالة من التوتر الشديد عبّر فيها ترامب عن استيائه البالغ وغضبه من الضربة الإسرائيلية السابقة على بيروت، موجهًا انتقادات حادة لتقدير نتنياهو، قبل أن يعود في المكالمة الثانية ليعلن له أن الحرب التي أطلقاها معًا في أواخر فبراير قد انتهت فعليًا.
هذا الموقف يعيد إلى الأذهان التباين الواضح في تعامل نتنياهو مع الإدارات الأمريكية المتعاقبة بشأن الملف الإيراني؛ ففي عام 2015 عندما وقع الرئيس باراك أوباما الاتفاق النووي، خاض نتنياهو مواجهة علنية شرسة وخطب أمام الكونجرس مستندًا إلى دعم الجمهوريين لمهاجمة الاتفاق وصانعيه.
وعلى النقيض من ذلك تمامًا، يلتزم رئيس وزراء الاحتلال هذه المرة صمتًا شبه كامل تجاه ترامب، رغم أن الاتفاق الآخذ في التبلور يمثل السيناريو الأسوأ الذي طالما خشيه المسؤولون الإسرائيليون على مدار أسابيع.
فمن شأن هذه التفاهمات أن تعيد فتح مضيق هرمز وتؤدي إلى تخفيف العقوبات الاقتصادية عن طهران، مع إرجاء النقاش حول برنامج إيران النووي وترسانتها الصاروخية إلى مرحلة لاحقة، مما يمنح النظام الذي سعى نتنياهو لإسقاطه طوق نجاة ومتنفسًا اقتصاديًا.
تمرد اليمين المتطرف
هذا المأزق السياسي انعكس على سلوك نتنياهو العام؛ إذ تأخر لساعات في إبداء أي رد فعل علني حتى تحدث سياسيون إسرائيليون آخرون، وعندما ظهر في مؤتمر صحفي مساء الإثنين، لم يتطرق للاتفاق إلا بالكاد خلال بيانه الافتتاحي وتجنب بشكل لافت التفاخر بعلاقته مع ترامب كما كان يفعل لسنوات.
واكتفى عند سؤاله لاحقًا بالإشارة إلى وجود نقاط تباين في وجهات النظر مع الرئيس الأمريكي، مؤكدًا مسؤوليته عن إدارة المصالح الأمنية لتل أبيب بحكمة.
وتتعاظم المخاوف الإسرائيلية في ظل مؤشرات تفيد بأن الاتفاق قد يفرض قيودًا على مواجهة حزب الله، إذ تطالب إيران بانسحاب عسكري إسرائيلي كامل من جنوب لبنان.
ورغم نفي مسؤول أمريكي كبير لكون هذا الانسحاب شرطًا مسبقًا، وتأكيده على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها في حال تعرضها لهجمات، فإن الشركاء اليمينيين المتطرفين في حكومة نتنياهو، كوزير المالية ووزير الأمن القومي إيتامار بن غفير، سارعوا بوصفه "اتفاقًا خطيرًا" وأعلنوا عدم التزام تل أبيب به.
وعلى جبهة المعارضة، تفجرت موجة انتقادات واسعة؛ إذ وصف رئيس الوزراء السابق ومنافسه الحالي نفتالي بينيت التطورات بأنها "منعطف خطير" في أمن إسرائيل، بينما اعتبر رئيس أركان الجيش السابق غادي آيزنكوت النتيجة "بائسة" ناتجة عن غياب الاستراتيجية والشجاعة.
انهيار المخطط الانتخابي
وتكمن حساسية هذا الموقف في أن التفاهمات الأمريكية الإيرانية لا تهدد أمن إسرائيل فحسب من منظور قادتها، بل تضرب في الصميم الاستراتيجية الانتخابية لنتنياهو.
حيث كان فريقه السياسي قد رسم مسار يضمن له الفوز في انتخابات أكتوبر عبر تحقيق نصر سريع على إيران، يليه زيارة ترويجية مظفرة للبيت الأبيض في سبتمبر وزيارة مقابلة من ترامب لتل أبيب لاستغلال الصداقة الرئاسية كرافعة انتخابية.
إلا أن الضغوط التي مارسها الرئيس الأمريكي لإنهاء الحرب ودعواته المتكررة لوقف إطلاق النار وتشكيكه العلني في رغبة رئيس وزراء الاحتلال بالاستمرار في السياسة، وضعت العلاقات في مرحلة اختبار صعبة وبراغماتية.
ورغم تراجع شعبية ترامب لدى القاعدة الجماهيرية لنتنياهو وانعكاس ذلك على التغطية الإعلامية للقناة 14 المؤيدة له التي وصفت ترامب "بالخاسر"، وتأكيد استطلاعات الرأي تراجع ثقة الإسرائيليين اليهود في مراعاة ترامب لأمن بلادهم إلى أدنى مستوياتها، فإن معسكر نتنياهو يرى في هذا التوتر عقبة مؤقتة يمكن تجاوزها خلال الأشهر الـ4 المتبقية على الانتخابات.
في المقابل، تسعى المعارضة لاستغلال هذا التحول عبر تحذير جهات اتصال ترامب من مغبة تقديم دعم لنتنياهو، مهددة باستخدام أي تأييد مستقبلي لإظهار رئيس الوزراء بمظهر التابع الذي فرط في أمن إسرائيل.
ويمضي نتنياهو حاليًا في محاولات دبلوماسية حثيثة لعقد لقاء ثنائي مع الرئيس الأمريكي لإقناعه بمخاوفه، وبغية الحصول على صورة مشتركة تعيد تعويم رصيده السياسي المفقود.













