شهدت الساحة السياسية والعسكرية في الشرق الأوسط تحولاً بارزًا إثر موافقة إسرائيل وحزب الله على وقف إطلاق النار في لبنان، وهي الخطوة التي جاءت بعد تصعيد ميداني خطير هدد بتبديد فرص تحويل الاتفاق المؤقت الرامي لإنهاء الحرب في إيران إلى تسوية سلام دائمة وشاملة في المنطقة.
هذه التوترات ألقت بظلالها المباشرة على الأجندة الدبلوماسية الدولية، حيث تسبب اندلاع القتال في إلغاء المحادثات الأمريكية الإيرانية التي كان من المقرر عقدها في سويسرا، ما خلق حالة جديدة من عدم اليقين حول توقيت هذه المفاوضات الحيوية التي تهدف بشكل أساسي إلى تأمين الملاحة الدولية وضمان إعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الشحن العالمية.
وأعلن مسؤول أمريكي رفيع المستوى أن الهدنة دخلت حيز التنفيذ بالفعل في تمام الساعة الـ4 عصرًا بتوقيت بيروت، موضحًا أن الوسطاء من الولايات المتحدة وقطر تمكنوا من صياغة هذا الاتفاق بدعم وتنسيق من الجانب الإيراني.
الالتزام الميداني
وعلى الصعيد الميداني، أكد مصدران من حزب الله التزام الجماعة بالتهدئة وتطبيقها من جانبها، وهو ما توازى مع تأكيد مسؤول إسرائيلي رفيع بأن بلاده ستلتزم بوقف إطلاق النار طالما لم تتعرض لهجمات جديدة، مع الإشارة في الوقت نفسه إلى أن جيش الاحتلال سيحتفظ بقواته في المنطقة التي يحتلها جنوبي لبنان على طول الحدود الشمالية.
ويأتي هذا التطور بعد ليلة دامية أسفرت عن مقتل 18 شخصًا في غارات جوية إسرائيلية ومصرع 4 جنود إسراييلين في مواجهات مع مقاتلي حزب الله، وهو النزاع الذي يمثل معضلة حقيقية للمفاوضات الكبرى، كون إنهاء القتال على الجبهة اللبنانية يعد شرطًا أساسيًا للمضي قدمًا في إقرار الاتفاق الأوسع بين واشنطن وطهران.
قضايا شائكة
وفي الوقت الذي تبدو فيه الأجواء هشة، فإن القضايا الأكثر تعقيدًا لا تزال مؤجلة، إذ تركت مذكرة التفاهم الموقعة بين أمريكا وإيران ملف البرنامج النووي والملفات الشائكة الأخرى لمراحل لاحقة، مانحةً الطرفين مهلة 60 يومًا للتوصل إلى صيغة نهائية أو تمديد الاتفاق المؤقت.
تزامنت هذه الضغوط مع ارتباك في التحضيرات الفنية للمحادثات التي كانت مقررة في منتجع بورغنستوك السويسري، لاسيما بعد إعلان نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس إلغاء خطط حضوره وإشارة مصادر مطلعة إلى أن كبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف لم يكن ينوي المشاركة أيضًا.
ورغم إعلان الخارجية السويسرية تأجيل الاجتماعات مع الاحتفاظ بجاهزيتها لتسهيل الحوار، فإن طهران ربطت استئناف اللقاءات بوجود وقف شامل لإطلاق النار، بالتوازي مع دعوات داخل بيروت لرفض أي تفاوض مباشر مع تل أبيب في ظل استمرار اعتداءاتها، خاصة وأن الاتفاق المؤقت يلزم جميع الأطراف بإنهاء العمليات العسكرية على كافة الجبهات، بينما تصر إسرائيل المستبعدة من الطاولة على أنها ليست جزءًا من هذا الاتفاق.
وعلى الرغم من المأساة الإنسانية التي خلفتها هذه الحرب الإقليمية منذ اندلاعها، والتي حصدت أرواح ما لا يقل عن 7 آلاف شخص معظمهم في إيران ولبنان، فضلاً عن تسببها في أزمة طاقة عالمية وتضخم اقتصادي حاد، إلا أن توقيع الاتفاق المؤقت بدأ يؤتي ثماره اقتصاديًا، حيث سجلت أسعار النفط تراجعًا ملحوظًا مع استئناف حركة الناقلات عبر هرمز.
ولتعزيز هذا المسار، أعلنت الهيئة الإيرانية لإدارة المضيق عن تجميد الرسوم المقررة على الممر المائي طوال فترة المفاوضات، وسط تأكيدات من الخارجية الإيرانية بتأمين القوات المسلحة للملاحة التجارية.
وتطلع طهران للحصول على مكتسبات الاتفاق التي تشمل تخفيف العقوبات وإلغاء تجميد أصول بمليارات الدولارات، إلى جانب تأسيس صندوق إعادة إعمار بقيمة 300 مليار دولار.
أما الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فقد واجه انتقادات حادة داخل واشنطن، وتحديدًا من حلفائه الجمهوريين في الكونغرس الذين اتهموه بتقديم تنازلات مفرطة لإنهاء حرب غير شعبية قبيل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر، إلا أنه دافع بقوة عن موقفه.
مؤكدًا أن الحرب أنهكت إيران وجعلتها تأتي للمفاوضات بدافع اليأس، كما شدد على أن النتيجة النهائية للمهلة المحددة بـ60 يومًا لن تعني سوى استسلام غير مشروط لطهران وتغيير جذري لنظامها.











