كشفت خرائط وتحليلات نشرتها وكالة «أسوشيتد برس» أن إسرائيل تواصل سياسة قضم الأرض حيث فرضت خلال العامين ونصف العام الماضيين سيطرةً عسكريةً على مساحات واسعة من قطاع غزة ولبنان وسوريا، في توسع وصفته الوكالة بأنه الأكبر للأراضي الخاضعة لسيطرتها العسكرية منذ عقود.
وتبلغ المساحة الإجمالية التي احتلتها إسرائيل مؤخرا نحو ألف كيلومتر مربع، وهي مساحة تفوق مساحة كثير من المدن الكبرى وتعادل قرابة 5% من مساحة إسرائيل في السنوات الأولى بعد تأسيسها.
وتقول إسرائيل إنها تعتزم البقاء في هذه المناطق إلى أجل غير محدد، وتصفها بأنها «مناطق عازلة» تهدف إلى منع هجمات مستقبلية.
وبحسب التحقيق، بدأت موجة التوسع عقب هجوم السابع من أكتوبر 2023، الذي أشعل حروبًا على جبهات عدة، وسيطر الجيش الإسرائيلي على أجزاء واسعة من غزة، قبل أن يوسع وجوده داخل أراضٍ في لبنان وسوريا.
ولا تُعد المناطق الخاضعة للسيطرة حدودًا جديدة، إذ يتطلب تغيير الحدود اتفاقًا بين الدول المعنية، غير أن استمرار الوجود العسكري أثار مخاوف من تحول التغييرات الميدانية إلى واقع طويل الأمد.
لبنان صاحب النصيب الأكبر
يحتل لبنان النصيب الأكبر من المساحات التي رصدها التحقيق، إذ تسيطر إسرائيل على نحو 608 كيلومتر من الأراضي اللبنانية، وفق خبراء في مركز كارنيغي للشرق الأوسط.
وبدأت أحدث المواجهات في 2 مارس، عندما أطلق حزب الله النار على إسرائيل تضامنًا مع حلفائه الإيرانيين، قبل أن تشن إسرائيل عمليةً بريةً داخل لبنان في أواخر الشهر نفسه.
وأجبرت تحذيرات الإخلاء الإسرائيلية نحو 1.2 مليون لبناني على الفرار، في حين تعرضت عدة قرى حدودية لعمليات هدم واسعة، وعلى خلاف جولات الاحتلال السابقة لجنوب لبنان، حذرت إسرائيل المدنيين هذه المرة من العودة إلى مناطقهم.
ويواصل حزب الله إطلاق النار على شمال إسرائيل، بينما أدان وجود القوات الإسرائيلية داخل لبنان وطالبت الحكومة اللبنانية بانسحابها.
«الخط الأصفر» يعزل مساحات واسعة من غزة
في قطاع غزة، تسيطر إسرائيل على نحو 194 كيلومترًا مربعًا، وفق تقديرات مجموعة «غيشاه» الحقوقية الإسرائيلية.
ويشير التحقيق إلى أن معظم سكان القطاع، الذين يزيد عددهم على مليوني نسمة، أصبحوا محصورين داخل مدن خيام مكتظة تعتمد على المساعدات الدولية، بينما هدم الجيش مساحات واسعة داخل المناطق الخاضعة لسيطرته.
وتضم هذه المناطق معظم الأراضي الزراعية في غزة، لكنها أصبحت غير متاحة للفلسطينيين، كما لا يزال الموقع الدقيق لما يُعرف بـ«الخط الأصفر» غامضًا، في وقت قال فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إنه يريد سيطرة إسرائيل على 70% من القطاع.
ومن المفترض أن تستكمل القوات الإسرائيلية انسحابًا أوسع في إطار وقف إطلاق النار الذي رعته الولايات المتحدة، لكن التقدم لا يزال متعثرًا بسبب الخلاف بشأن نزع سلاح حماس.
235 كيلومترًا مربعًا داخل سوريا
وفي سوريا، سيطرت إسرائيل على المنطقة العازلة عقب سقوط نظام بشار الأسد عام 2024، مبررةً تحركها بمخاوف من شن فصائل سورية هجمات عليها، إلى جانب رغبتها في تعطيل طرق تهريب الأسلحة الإيرانية إلى حزب الله.
وتبلغ مساحة المنطقة الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية نحو 235 كيلومترًا مربعًا، وفق تقديرات الأمم المتحدة الواردة في تحقيق الوكالة.
ولم يتلق المدنيون المقيمون في هذه المناطق أوامر بالإخلاء، لكنهم واجهوا نقاط تفتيش وقيودًا وتوترات، إلى جانب اشتباكات متفرقة بين الجنود الإسرائيليين وسكان القرى.
ويشير التحقيق إلى أنه لم تُسجل هجمات عبر الحدود السورية منذ سقوط الأسد، باستثناء صاروخين أطلقتهما جماعة مسلحة غير معروفة على نطاق واسع.
قضم الأرض في الضفة
امتدت التغييرات الميدانية إلى الضفة الغربية أيضًا، حيث نزح عشرات الآلاف من الفلسطينيين بسبب اتساع العمليات العسكرية الإسرائيلية منذ بداية الحرب.
كما وافقت السلطات الإسرائيلية على مستوطنات جديدة شمل بعضها تسوية أوضاع بؤر استيطانية صغيرة بأثر رجعي، بينما جاء بعضها الآخر في صورة أحياء تابعة لمستوطنات قائمة.
ويربط تحقيق «أسوشيتد برس» النمو السريع للمستوطنات بوصول قادة الحركة الاستيطانية ومؤيديها إلى مواقع مؤثرة داخل الحكومة الإسرائيلية، إلى جانب وجود إدارة أمريكية مؤيدة للاستيطان بدرجة كبيرة.
وترى غالبية دول المجتمع الدولي أن المستوطنات غير قانونية، بينما يعتبرها الفلسطينيون العقبة الرئيسية أمام التوصل إلى اتفاق سلام دائم وإقامة دولتهم المستقبلية.
وتكشف الخرائط في مجملها عن تحولات جغرافية واسعة منذ عام 2023، تجاوزت آثارها العمليات العسكرية المباشرة إلى إخلاء السكان وهدم مناطق واسعة وفرض قيود جديدة على الحركة، وسط مخاوف من أن تتحول «المناطق العازلة» إلى أمر واقع دائم.











