يفتح الانتصار المدوّي "لآندي بورنهام"،العمدة السابق لمدينة مانشستر الكبرى، في الانتخابات الاستثنائية ببريطانيا الباب أمام سيناريوهات متسارعة كفيلة بإنهاء الحقبة الوزارية لكير ستارمر.
وتكتسب هذه التطورات حساسية خاصة كون ستارمر لم يكمل عامين في منصبه منذ أن أعاد حزب العمال إلى سدة الحكم عقب 14 عامًا قضاها في مقاعد المعارضة.
وينظر المراقبون إلى بورنهام باعتباره المرشح الأبرز لخلافة ستارمر، لا سيما بعد فوزه الحاسم والتاريخي في دائرة "ميكرفيلد" بشمال غرب إنجلترا.
ورغم التراجع الحاد لتقييمات حزب العمال في استطلاعات الرأي وتكبده خسائر فادحة في الانتخابات المحلية السابقة، فقد نجح بورنهام في تحدي الجاذبية الانتخابية؛ إذ لم يكتفِ بصد التحدي الشرس من مرشح حزب "إصلاح بريطانيا" المناهض للهجرة، بل تمكن من رفع حصة حزب العمال من الأصوات بشكل كبير لتصل إلى نحو 55%،
في مفارقة لافتة، إذ كان حزب "إصلاح بريطانيا" قد اكتسح تقريبًا جميع المقاعد المشكلة لهذه الدائرة في الانتخابات المحلية الماضية.
طموح "داونينغ ستريت"
ومع عودة بورنهام، البالغ من العمر 56 عامًا، إلى أروقة البرلمان بعد غياب ناهز العقد من الزمن قضاه عمدةً يحظى بشعبية واسعة في مانشستر الكبرى، فإنه يجد نفسه اليوم في موقع استراتيجي قوي يسمح له بمنافسة ستارمر المحاصر على قيادة الحزب ورئاسة الحكومة.
ورغم أنه لم يعلن عن هذه الخطوة صراحة حتى الآن، فإن نبرة تصريحاته تؤكد أن عينيه مثبتتان بقوة على المنصب الرفيع في "10 داونينغ ستريت"؛ حيث وصف فوزه بأنه "لحظة التغيير" الحقيقية، معربًا عن أمله وأمل فريقه في "رسم مسار جديد" لبريطانيا تتبدد معه حالة الإحباط ويستعيد من خلاله المواطنون شعورًا بالتفاؤل نحو أفق ومستقبل أفضل.
وفي حين أن الانتخابات الوطنية المقبلة في المملكة المتحدة ليس من المقرر إجراؤها قبل عام 2029، فإن قواعد السياسة البريطانية تمنح الأحزاب مرونة كاملة لتغيير قادتها في منتصف المدة دون الحاجة إلى الدعوة لانتخابات عامة.
وفي هذا السياق، تبرر المعطيات الراهنة احتمالية تنحي ستارمر؛ فرغم إصراره المتكرر على مواجهة أي تحدٍ لمنصبه، إلا أنه قد يستشعر خلال الأيام القليلة المقبلة حتمية خسارته لأي انتخابات داخلية على القيادة، وهي نهاية مهينة لرجل قاد حزبه إلى فوز ساحق في يوليو 2024.
ويصنف ستارمر حاليًا كأحد أقل رؤساء الوزراء شعبية في التاريخ البريطاني إثر سلسلة من الهفوات السياسية والقرارات المثيرة للجدل، والتي كان أبرزها تعيينه الخاطئ "لبيتر ماندلسون" سفيرًا للمملكة المتحدة في واشنطن رغم صلاته بجيفري إبستين المدان بجرائم جنسية ضد الأطفال.
وتتزايد التكهنات بأن أعضاء مجلس وزرائه سيبلغونه رسميًا بأن اللعبة قد انتهت وأن الخيار الأفضل له وللحزب يكمن في إعلان استقالته.
المنافسين المرجحين
وفي حال قرر ستارمر مغادرة منصبه فورًا، فمن المتوقع أن يختار مجلس الوزراء والهيئة الإدارية لحزب العمال زعيمًا مؤقتاً لتولي رئاسة الوزراء، بشرط ألا يكون مطروحًا كمرشح دائم للمنصب، وهو دور قد يناسب نائب رئيس الوزراء ديفيد لامي.
وبدلاً من الاستقالة الفورية، قد يختار ستارمر التمهيد لتنحيه في تاريخ لاحق، مثل المؤتمر السنوي للحزب في سبتمبر المقبل. وفي كلتا الحالتين، بات من المؤكد أن بورنهام سيخوض سباق القيادة المرتقب وسط تساؤلات حول هوية المنافسين الآخرين.
حيث ألمح ويس ستريتنج، المستقيل حديثًأ من وزارة الصحة، إلى نيته الترشح، بجانب مرشحين محتملين آخرين كنائبة ستارمر السابقة أنجيلا راينر التي استقالت بسبب قضية ضريبة عقارية غير مدفوعة، وآل كارنز الذي استقال مؤخرًا من منصب وزير القوات المسلحة، احتجاجًا على خطط ستارمر لتمويل الدفاع.
ومع ذلك، تدعم أصوات كثيرة داخل الحزب خيار التزكية المطلقة لبورنهام دون منافسة، ليتسنى له دخول "10 داونينغ ستريت" هذا الصيف وقبل انعقاد المؤتمر العام.
على الجانب الآخر، يجد ستارمر نفسه في موقف شديد الغرابة؛ إذ اضطر لتهنئة بورنهام على فوزه مع علمه التام بأن هذا النجاح يسلط الضوء على أزمة قيادته هو، لكنه شدد في الوقت نفسه على أنه سيحارب بكل قوة أي محاولات للإطاحة به، مؤكدًا جاهزيته لخوض المعركة الانتخابية والصمود في وجه التحدي كاسم مدرج في ورقة الاقتراع.
عقبات الوصول للسلطة
ولكي تكتمل فصول هذه المواجهة، يتعين على أي مرشح يرغب في تحدي ستارمر تخطي عدة عقبات تنظيمية صارمة؛ تبدأ بالفوز بدعم خُمس المشرعين في مجلس العموم عن الحزب، أي ما يعادل 81 نائبًا.
وبمجرد استيفاء هذا النصاب البرلماني، يتوجب على المرشحين حصد تأييد 5% من الأحزاب المحلية في الدوائر الانتخابية أو نيل دعم 3 هيئات تابعة للحزب على الأقل مثل نقابات العمال والجمعيات التعاونية.
وعقب ذلك، يفتح باب التصويت لأعضاء الحزب والهيئات التابعة المؤهلين وفق نظام انتخابي يعتمد على ترتيب المرشحين حسب الأفضلية، بحيث يعلن فوز المرشح الأول الذي ينجح في تأمين أكثر من 50% من الأصوات.
ليوجه الملك تشارلز الثالث في النهاية دعوة رسمية للفائز لتولي رئاسة الوزراء وتشكيل الحكومة الجديدة، وهي عملية معقدة قد تستغرق بين 3 إلى 4 أشهر، يتخللها تنظيم ندوات عامة يطرح فيها المرشحون رؤاهم قبل فتح صناديق الاقتراع أمام القواعد الحزبية.










