صفقة ترامب مع إيران تواجه اليوم اختبارًا ميدانيًا عسيرًا، ففي الوقت الذي تبذل فيه واشنطن جهودًا مكثفة للخروج من المواجهة، كاد التصعيد العسكري المفاجئ بين إسرائيل وحزب الله في لبنان أن يعصف بكل التفاهمات الهشة.
وجاء التهديد الإسرائيلي بضرب الضاحية الجنوبية لبيروت، بالتزامن مع صواريخ حزب الله المدعومة من طهران، ليضع جهود التهدئة الرئاسية على حافة الانهيار السريع.
غضب ترامب وإحباطه
أثار هذا المشهد المشتعل غضب الرئيس دونالد ترامب وإحباطه من صراع ممتد منذ فبراير الماضي؛ ورغم تصريحه العلني بأنه لا يهتم بتعليق إيران للمحادثات، إلا أنه سارع خلف الكواليس بإطلاق دبلوماسية طوارئ حازمة.
وأجرى ترامب مكالمة هاتفية اتسمت بالحدة مع بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي، مستخدمًا لغة صارمة لرفض الهجوم المخطط له في بيروت، بالتوازي مع فتح قنوات اتصال مع حزب الله عبر ممثلين رفيعي المستوى، تلاها إعلان السفارة اللبنانية التزام الحزب بوقف الهجمات مقابل تحييد العاصمة بيروت من القصف الإسرائيلي.
ورغم أن هذا التدخل السريع نجح في احتواء الأزمة مؤقتًا وأبقى المساعي الدبلوماسية مستمرة، إلا أن المراقبين يرون أن هذه التهدئة ليست سوى مسكن؛ إذ تظل صفقة ترامب مع إيران مهددة بشكل دائم بسبب انعدام الثقة وتضارب المصالح الاستراتيجية بين القوى الإقليمية، وهي العوامل التاريخية العميقة التي طالما دمرت مبادرات سلام أمريكية سابقة كانت أكثر تفصيلًا.
تأثير لبنان على صفقة ترامب مع إيران
تكمن خطورة الملف اللبناني في كونه ساحة خلفية لا يمكن فصلها عن الجبهة الأساسية؛ ورغم محاولات فريق ترامب تسويق فكرة أن التوترات في بيروت منفصلة عن الاتفاق الثنائي، إلا أن طهران ترفض هذا المنظور تمامًا.
فإيران تنظر إلى حزب الله كخط دفاع أمامي ترفض التفريط فيه أو نزع سلاحه، وتسعى مستميتة للحفاظ على نفوذها الذي بنته في لبنان على مدى 4 عقود، وهو ما يفسر إصرارها على ربط الاستقرار الملاحي في مضيق هرمز بوقف العمليات العسكرية ضد وكلائها.
بينما ترى إسرائيل أن حماية أمنها معركة مستمرة تتطلب إضعاف قدرات حزب الله بشكل دوري، وهو ما يتناقض مع رغبة ترامب في إيجاد حل نهائي والخروج من المنطقة.
هذا الانقسام في الرؤى بين واشنطن وتل أبيب يجعل من الجبهة اللبنانية لغمًا موقوتًا قد ينفجر في أي لحظة ليفخخ مسار صفقة ترامب مع إيران، خاصة وأن الحكومة اللبنانية الضعيفة والمجزأة طائفيًا لا تملك القدرة الفعلية على تنفيذ مطالب إسرائيل بنزع سلاح الميليشيات دون تسوية إقليمية شاملة.
إنقاذ المصالح المشتركة
فيما يثبت التصلب الإيراني في المفاوضات أن طهران تحاول ممارسة ضغوط مضادة على البيت الأبيض، مستغلة حاجة الرئيس الأمريكي لتحقيق نصر خارجي سريع يخفف عنه الضغوط الداخلية الناتجة عن الارتفاع الحاد في أسعار الوقود وتكاليف المعيشة.
ومع ذلك، فإن السعي لإتمام صفقة ترامب مع إيران يظل مصلحة متبادلة؛ فالجمهورية الإسلامية تعيش اختناقًا اقتصاديًا حادًا جراء الحصار الأمريكي المفروض على سفنها وموانئها وتلقيها معظم وارداتها عبر البحر.
ومع استمرار الهدنة الاسمية وتبادل الرسائل العسكرية العنيفة في عطلة نهاية الأسبوع، يبدو أن جولات المفاوضات ستظل تراوح مكانها بين إصرار واشنطن على منع السلاح النووي وتمسك طهران بـ "اليورانيوم المخصب".
ونجح الرئيس الأمريكي في احتواء ضرر يوم الاثنين، لكنه تلقى درسًا قسيًا مفاده أن صياغة صفقة ترامب مع إيران ستبقى رهينة لجروح لبنان النازفة، وأن الخروج من أزمات الشرق الأوسط أصعب بكثير من الانخراط فيها.












