تأتي انتخابات كولومبيا الرئاسية الحالية في أعقاب شهور من التراشق العلني الحاد بين الرئيس اليساري الحالي غوستافو بيترو والإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب، وهو الصدام الذي تجاوز حدود الدبلوماسية ليشتبك مع ملفات شائكة كتهريب المخدرات وأبعاد التدخل الأمريكي في القارة اللاتينية.
ومع غياب "بيترو" عن المشهد لعدم جواز إعادة انتخابه دستوريا، يبرز اسم "إيفان سيبيدا" بوصفه أحد ورثة راية اليسار بدعم رئاسي مباشر، في مواجهة صعود يميني شرس يقوده الثنائي أبيلاردو دي لا إسبريلا وبالوما فالنسيا، في اقتراع لن يعيد صياغة المشهد الداخلي فحسب، بل سيعيد رسم خارطة التحالفات الإقليمية للبلاد.
صراع "السلام الشامل" ضد القبضة العسكرية
تشير قراءات المشهد إلى صعوبة حسم المعركة الانتخابية من الجولة الأولى، مما يفتح الباب تكتيكيا أمام جولة إعادة مرتقبة في الحادي والعشرين من يونيو المقبل. ويتصدر "سيبيدا" استطلاعات الرأي ويأتي خلفه منافسه اليميني الأقرب دي لا إسبريلا.
والمفارقة في هذه الجولة من انتخابات كولومبيا الرئاسية أنها تُجرى على وقع عنف سياسي ممتد؛ حيث خاض المرشحون حملاتهم تحت حماية الدروع، وظهر دي لا إسبريلا في مسيرته الأخيرة خلف زجاج مضاد للرصاص.
وينقسم الشارع الكولومبي هنا بين وعود سيبيدا بالاستمرار في استراتيجية "السلام الشامل" والتفاوض مع الفصائل المسلحة، وبين وعود جبهة اليمين بشن حملة عسكرية كاسحة تنهي حقبة المهادنة وتفرض القبضة الأمنية الصارمة.
مستقبل العلاقات الأمريكية - الكولومبية
يرتبط فرز الأصوات في انتخابات كولومبيا الرئاسية مباشرة بشكل العلاقة المستقبلية مع البيت الأبيض؛ فالتيار اليميني المتمثل في دي لا إسبريلا وفالنسيا لا يخفي رغبته في استعادة التحالف العسكري والأمني الكلاسيكي مع واشنطن، بينما يتبنى اليسار المتمثل في سيبيدا خطابا يرفض تحويل بوغوتا إلى "دولة تابعة" للقرار الأمريكي، برغم أن قنوات التنسيق الاستخباراتي التاريخية لمكافحة المخدرات لم تتوقف فعلياً حتى في ذروة الأزمات السياسية.
وتكتسب النتائج حساسية مضاعفة إقليميا بعد إطاحة القوات الأمريكية برئيس فنزويلا السابق نيكولاس مادورو، مما جعل كولومبيا جبهة اليسار الأخيرة التي تقاوم الضغوط الأمريكية، خصوصا مع اتهامات ترامب المتكررة لبيترو بالعجز عن كبح جماح إنتاج الكوكايين الذي سجل مستويات قياسية وفقا لتقرير المخدرات العالمي للأمم المتحدة، وهي الأرقام التي يرفضها بيترو مستندا إلى قفزة غير مسبوقة في معدلات الضبط والتحريز، لتبقى الصناديق اليوم هي الفيصل في تحديد هوية بطل الرواية القادمة.














