في سبتمبر الماضي، وخلال جولة جمعت الرئيس الصيني "شي جين بينغ" بنظيره الروسي "فلاديمير بوتين" في ساحة تيانانمين ببكين، دار حديث جانبي عفوي بين الزعيمين عكس طبيعة العلاقة بين رجلين قويين وصف كل منهما الآخر بأنه "أفضل أصدقائه"، ويقودان بلادهما لفترة بلغت مجتمعة 39 عامًا دون أي مؤشرات على التنحي.
وتتزامن زيارة بوتين إلى بكين هذا الأسبوع مع الذكرى السنوية الـ25 لمعاهدة حسن الجوار والتعاون الودي بين روسيا والصين، والتي تأتي بطابع رسمي هادئ وقليل التفاصيل مسبقًا، مقارنة بالاستقبال الحافل والمآدب الفاخرة التي حظي بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في بكين الأسبوع الماضي.
وأفاد المتحدث باسم الكرملين بأن موسكو تسعى للاستماع إلى معلومات مباشرة حول لقاء ترامب وشي، خاصة بعدما مازح الرئيس الصيني نظيره الأمريكي أثناء تجولهما في منطقة "تشونغنانهاي" السياسية المغلقة بأن بوتين قد زار هذا المعقل من قبل، وفقًا لشبكة BBC.
وتشير التحليلات السياسية أن الشراكة بين البلدين غير متكافئة وتتحرك وفقًا للشروط الصينية؛ حيث يرى مدير مركز كارنيغي روسيا أوراسيا، ألكسندر غابويف، أن موسكو تقع بالكامل في جيب بكين التي تملك القدرة على إملاء شروطها.
يتضح هذا الاختلال الهيكلي في كون الصين الشريك التجاري الأكبر لروسيا، في حين لا تمثل موسكو سوى 4% فقط من حجم التجارة الدولية لبكين.
اعتماد عسكري وتقني متبادل بين موسكو وبكين
قد عمقت العقوبات الغربية هذا الاعتماد الروسي؛ حيث استغلت عملاقة التقنية الصينية "هواوي" انسحاب الشركات الغربية لتصبح ركيزة قطاع الاتصالات الروسي، في وقت أصبحت فيه بكين الوجهة الأولى لموسكو لتأمين الخبرات العلمية والصناعية.
يظهر هذا الاعتماد جليًا في تقرير كشف أن روسيا باتت تستورد أكثر من 90% من تقنياتها الخاضعة للعقوبات من الصين، بزيادة بلغت 10% منذ غزو أوكرانيا عام 2022.
وبرغم الحصار الاقتصادي، ترفض موسكو التحول إلى دولة تابعة؛ حيث أكد دميتري ترينين، رئيس مجلس الشؤون الدولية الروسي، على ضرورة الحفاظ على تكافؤ الفرص باعتبار روسيا قوة عظمى لا يمكن أن تكون شريكًا أصغر.
في المقابل، تفضل الصين اتباع سياسة "ضبط النفس" وتجنب الضغط المباشر على النخبة الروسية الفخورة، نظرًا لأن موسكو ليست من نوعية الدول التي تقبل الإملاءات الفورية.
طبيعة الشراكة الاستراتيجية بين الصين وروسيا
رغم محاولات المحللين الغربيين تصنيف العلاقة كـ "محور للاستبداد" أو كـ "أخوة هشة"، إلا أن الواقع يثبت وجود مصالح حيوية مشتركة تتجاوز الأيديولوجيا، والتي ظهرت في توظيف حرب أوكرانيا كصيغة للدعم المتبادل؛ إذ تمثل الحرب رصيدًا اختباريًا لبكين لدراسة خياراتها بشأن تايوان، مقابل تقديم موسكو لتقنيات عسكرية ومعدات دقيقة للصين.
هذا التوافق لا يقتصر على الجانب العسكري، بل يمتد إلى قطاع الطاقة حيث يقترب البلدان من خطوة استراتيجية عبر مشروع خط أنابيب "قوة سيبيريا 2" لنقل 50 مليار متر مكعب من الغاز الروسي إلى الصين عبر منغوليا، ما يضمن أمن الطاقة المحلي لبكين في ظل اضطرابات مضيق هرمز.
كما يتعزز هذا التقارب برفضهما المشترك للهيمنة الأمريكية وتجنب الانتقادات المتبادلة بشأن الملفات الداخلية كأزمة إقليم شينجيانغ، مما يخلق علاقة تكافلية عضوية ممتدة منذ الحقبة السوفيتية.
مع ذلك، يبرز تباين واضح في النهج؛ إذ تسعى موسكو لبناء نظام عالمي يتجاوز واشنطن تمامًا، في حين تبدو بكين أكثر حذرًا وبراغماتية، مفضلة إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة وتجنب الاستفزاز غير الضروري، وهو ما عكسه رد فعلها المتزن تجاه الإجراءات الأمريكية في إيران.
وبالرغم من أن الاختلال المتزايد في ميزان القوى لصالح بكين يشكل نقطة ضعف للشراكة على المدى الطويل، إلا أن فرضية انهيارها القريب تبدو مستبعدة تمامًا.
ويدرك البلدان جيدًا أن تحالفهما الاستراتيجي أكبر من أن يفشل، خاصة في ظل انعدام أي بدائل سياسية أو اقتصادية حقيقية تغنيهما عن مواصلة التعاون المشترك.











