كشف تحقيق صحفي موسّع أن إحدى أبرز عائلات النخبة في إيران تقف خلف تأسيس وإدارة أكبر منصة لتداول العملات الرقمية داخل البلاد، وهي منصة تحولت خلال سنوات قليلة من شركة ناشئة إلى أحد الممرات المالية الأكثر تأثيرًا في الاقتصاد الإيراني، مع اتهامات باستخدامها في تمرير أموال مرتبطة بجهات خاضعة للعقوبات الدولية، من بينها مؤسسات حكومية وأجهزة أمنية.
وبحسب التحقيق الذي نشرته وكالة "رويترز"، فإن منصة “نوبيتكس” أصبحت لاعبًا رئيسيًا في سوق العملات المشفرة الإيراني، وتُدار عبر أشخاص ينتمون إلى عائلة ذات نفوذ سياسي وديني واسع داخل الجمهورية الإسلامية، حيث تشير المعلومات إلى أن الأخوين المؤسسين ينتميان إلى عائلة الخرازي المعروفة بعلاقاتها الوثيقة بمراكز القرار العليا في البلاد وخصوصًا المرشد الأعلى الجديد، مجتبى خامنئي. وقد جرى تسجيلهما في بدايات المشروع باسم عائلي مختلف، في خطوة بدت أنها فصل متعمد عن الهوية العائلية الأصلية.
وتشير بيانات الشركة إلى أن المنصة تمكنت من النمو سريعًا لتصبح الأوسع استخدامًا في إيران، إذ تزعم أنها تخدم نحو 11 مليون مستخدم، وهو رقم يعادل حوالي 10% من سكان إيران. وجاء هذا الانتشار في ظل ظروف اقتصادية صعبة يعيشها الإيرانيون، تشمل انخفاض قيمة العملة المحلية وصعوبة الوصول إلى النظام المصرفي الدولي بسبب العقوبات الغربية، ما دفع الكثيرين إلى الاعتماد على العملات الرقمية كبديل مالي.
ارتباط المنصة بجهات خاضعة للعقوبات
وفقًا لمراجعات وتحليلات لسجلات معاملات البلوك تشين، بالإضافة إلى شهادات عدد من العاملين السابقين، فإن المنصة لم تقتصر على المستخدمين الأفراد، بل شملت أيضًا تحركات مالية مرتبطة بجهات خاضعة للعقوبات، من بينها مؤسسات مالية رسمية وهيئات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني. ومع ذلك، لم يتم تقديم أدلة قضائية علنية تؤكد طبيعة هذه التحويلات بشكل نهائي، بينما تبقى هذه النتائج ضمن نطاق التحقيقات والتحليلات المالية المستقلة.
وتوضح البيانات أن منصة التداول نجت من إدراجها على قوائم العقوبات الأمريكية والأوروبية، على الرغم من أن جزءًا كبيرًا من الاقتصاد الإيراني يواجه قيودًا صارمة. كما لم تُفرض عقوبات مباشرة على أفراد العائلة المرتبطة بالمؤسسين، وهو ما أثار تساؤلات في الأوساط المالية حول أسباب هذا الاستثناء.
وفي السياق السياسي، يأتي الكشف عن خلفيات مؤسسي المنصة في وقت حساس بالنسبة لإيران، خاصة مع تصاعد دور الحرس الثوري في إدارة ملفات اقتصادية وأمنية داخل الدولة. وتشير تقارير إلى أن المؤسسة العسكرية باتت أكثر حضورًا في الاقتصاد خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا في ظل الضغوط الخارجية المتزايدة.
وتُظهر المعلومات أن الأخوين المؤسسين ينتميان إلى جيل جديد من عائلة الخرازي، التي لعب أفرادها أدوارًا مختلفة في مؤسسات الدولة، بما في ذلك مناصب استشارية وسياسية ودينية، مع امتدادات عائلية تربطها بشخصيات بارزة في تاريخ النظام الإيراني منذ تأسيسه.
وتشير روايات موظفين سابقين إلى أن الشركة استخدمت هوية عائلية بديلة في التعاملات الرسمية والعلنية، في حين بقيت صلاتها بالنسب الحقيقي غير معروفة لمعظم العاملين داخلها لسنوات. كما أفاد بعضهم بأنهم لم يكونوا على علم بالصلة العائلية إلا لاحقًا، بعد مغادرتهم الشركة.
نفي رسمي لأي ارتباط بالحكومة
من جانبها، نفت شركة نوبيتكس في بيانات رسمية أي ارتباط مباشر بالحكومة أو المؤسسات العسكرية او الحرس الثوري الإيراني، مؤكدة أنها شركة خاصة مستقلة، وأن أي معاملات مشبوهة تمر عبر منصتها تتم دون علم الإدارة أو موافقتها. كما شددت على أنها لم تتلق أي دعم أو اتفاقات مع جهات حكومية أو أمنية داخل إيران.
وتضيف الشركة أن نشاطها واجه في المقابل قيودًا حكومية داخلية، بما في ذلك عمليات تفتيش ومداهمات وإغلاق جزئي في فترات مختلفة، ما يعكس، بحسب بيانها، عدم وجود أي علاقة دعم بينها وبين الدولة.
واقتصاديًا، لعبت المنصة دورًا متزايدًا في ربط السوق الإيرانية بالأسواق الرقمية العالمية، حيث أصبحت وسيطًا رئيسيًا لتبادل العملات المشفرة في ظل القيود المفروضة على النظام المصرفي التقليدي. وتشير تقديرات شركات تحليل البيانات إلى أن حجم التداولات التي تمر عبرها بلغ مليارات الدولارات على مدى السنوات الماضية، مع تفاوت في تقدير نسبة المعاملات المرتبطة بجهات خاضعة للعقوبات.
كما كشفت تقارير أمن سيبراني عن أن المنصة استخدمت تقنيات متعددة لإخفاء وتتبع المعاملات، من بينها تغيير عناوين المحافظ الرقمية وتجزئة العمليات المالية بهدف تقليل إمكانية تعقبها من قبل الجهات الرقابية الدولية.
وخلال فترات الاضطرابات السياسية والاحتجاجات الداخلية، واصلت المنصة العمل حتى في ظل انقطاعات واسعة للإنترنت داخل إيران، وهو ما أثار تساؤلات حول آليات استمرار تشغيلها في بيئات تقنية مقيدة. وتزامن ذلك مع تقارير عن سحب مبالغ مالية كبيرة من النظام خلال فترات الحرب والتوتر.
في المقابل، يؤكد خبراء ماليون أن تتبع التدفقات داخل الاقتصاد الإيراني المعتمد على قنوات غير رسمية يظل معقدًا للغاية، نظرًا لتداخل الأنشطة المشروعة وغير المشروعة داخل نفس المنصات الرقمية، ما يجعل الفصل بين الاستخدام الفردي والاستخدام المؤسسي أمرًا صعبًا.
اقرأ أيضًا:
ترامب يدرس خفض القوات بألمانيا إثر خلاف حول إيران
الحرب الإيرانية تهدد الاقتصاد الأمريكي بصدمة «تدمير الطلب»
ترامب يراجع خطط ضربات عسكرية جديدة لإيران اليوم











