تشهد الصين ضغوطًا متصاعدة تجمع بين تحديات داخلية مرتبطة بتباطؤ النمو وارتفاع البطالة، وتداعيات خارجية تمتد من الرسوم الجمركية إلى التوترات الجيوسياسية، غير أن الاقتصاد أظهر قدرًا من المرونة عبر تعزيز الصادرات وتحقيق نمو في الناتج المحلي الإجمالي بنحو 5%.
ضغوط متزايدة على الاقتصاد الصيني
ورغم هذا التعافي النسبي، تشير المؤشرات إلى استمرار حالة من الضغوط الاجتماعية والاقتصادية، مع تفاقم شعور السخط لدى بعض فئات العمال. وفي مدينة فوشان بمقاطعة غوانغدونغ الصناعية، تعرض المصانع فرص عمل محدودة بأجور تتراوح بين 18 و20 يوانًا في الساعة، في وظائف مرتبطة بتجميع الأجهزة أو تشكيل البلاستيك.
كما ينقل عمال من مناطق ريفية إحساسًا متزايدًا بعدم الاستقرار، مع بحث بعضهم عن فرص عمل بديلة، في ظل ظروف اقتصادية صعبة ومعظمهم تجاوزوا سن الأربعين.
وفي سياق أوسع، ينعكس تصاعد التوترات في الشرق الأوسط على الاقتصاد العالمي بما في ذلك الصين، ورغم امتلاكها احتياطيات نفطية كبيرة وتقدمها في مجالات الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية، فإن اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية للطاقة، تزيد من الضغوط على اقتصاد يعتمد بشكل كبير على الصادرات، ما يدفع بكين إلى الدعوة لاحتواء التصعيد ووقف الحرب.
ارتفاع التكاليف يضغط على تجارة المنسوجات
قالت إحدى التاجرات، التي فضّلت عدم الكشف عن اسمها، إن التكاليف ارتفعت بنحو 20%، في وقت تتصاعد فيه الضغوط على قطاع تجارة الأقمشة بمدينة قوانغتشو جنوب الصين، أحد أكبر أسواق الأقمشة في العالم. وتُظهر حركة السوق اعتمادًا كبيرًا على سلاسل توريد تمتد إلى المصانع المحلية التي تحول الأقمشة إلى ملابس تُصدر لعلامات تجارية عالمية، من بينها “زارا” و“شين” و“تيمو”.
وفي قلب المدينة الواقعة على بُعد ساعة من فوشان، تتحرك الشاحنات والدراجات النارية بين أكوام من الأقمشة المتنوعة، بينما يشير تجار إلى أن ارتفاع تكاليف المواد الخام، المرتبطة جزئيًا بأسعار النفط والمنتجات البتروكيماوية، أدى إلى تراجع الطلب وتكدس المخزون.
ويؤكد أحد التجار أن بعض العملاء يرفضون تحمل الزيادات السعرية، ما يضع التجار أمام خيار امتصاص التكاليف أو خسارة الطلبات، في سوق يعمل بهوامش ربح محدودة. وتأتي هذه الضغوط في وقت يصف فيه عاملون بالسوق تغيرًا في المزاج العام مقارنة بفترات سابقة من التوترات التجارية، حيث يسود قدر أكبر من الحذر وعدم اليقين.
ورغم ذلك، لا تزال مؤشرات النشاط قائمة، خاصة في معرض كانتون التجاري، حيث يواصل المصنعون عرض منتجاتهم أمام مشترين دوليين، في مشهد يعكس سعي الصين للحفاظ على حضورها الصناعي والتجاري عالميًا وسط بيئة اقتصادية وجيوسياسية متقلبة.
بكين تعزز حضورها الصناعي وسط التحديات
تسعى بكين إلى تقدي تتجه بقوة نحو المستقبل، مدفوعة بالتكنولوجيا والصناعة المتقدمة، في وقت تتباين فيه التحديات العالمية مع تصاعد التوترات في مناطق أخرى، بما في ذلك الشرق الأوسط.
وفي قلب هذا المشهد، يزداد الإقبال على منتجات وتقنيات صينية حديثة تشمل نظارات مدعومة بالذكاء الاصطناعي وأجهزة مساعدة على التنقل والتسلق، إلى جانب أجهزة منزلية ذكية ومنتجات استهلاكية متنوعة، إلا أن ارتفاع الأسعار يظل سمة بارزة نتيجة ارتباط سلاسل الإنتاج بمواد تعتمد على النفط.
ورغم الضغوط الجيوسياسية، واصلت الصين تعزيز موقعها في سوق السيارات الكهربائية، حيث سجلت الصادرات نحو 350 ألف سيارة في مارس، بزيادة ملحوظة على أساس شهري وسنوي، وفق بيانات قطاعية رسمية.
ولكن التوترات في الشرق الأوسط انعكست على حركة التصدير، خصوصًا نحو أسواق رئيسية، ما دفع بعض الشركات إلى البحث عن بدائل في أفريقيا وأمريكا الجنوبية وآسيا، وسط تفاوت في الطلب العالمي وتغيرات في أسواق الطاقة.
وفي المقابل، تؤكد تحليلات اقتصادية أن الصين تستثمر هذا التحول لتوسيع نفوذها التجاري والدبلوماسي عالميًا، عبر تحركات سياسية واتصالات مع شركاء إقليميين، في إطار سعيها لتعزيز موقعها في النظام الدولي.
لكن هذا التوسع لا ينعكس بالضرورة على الأوضاع الداخلية، حيث يواجه بعض العمال في المدن الصناعية تحديات تتعلق بالأجور وفرص العمل، في ظل تباطؤ اقتصادي نسبي يظل حاضرًا في المشهد المحلي.
اقرأ أيضًا :
أوكرانيا ليست "لاحقًا".. زيلنيسكي يحذر من تهميش بلاده بسبب حرب إيران
احتجاز السفن يشعل المواجهة.. تصعيد بحري جديد بين أمريكا وإيران
البنتاغون يعلن حصيلة إصابات الجيش الأمريكي في حرب إيران












