تثبت الصين مرونة اقتصادية واضحة في مواجهة أزمة النفط التاريخية، التي أثارتها الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، حيث تمكنت بكين من حماية اقتصادها من الصدمات الخارجية بالاعتماد على مخزونات نفطية ضخمة، وقطاع صناعي يعمل بالطاقة المحلية، وأسطول متنامٍ من السيارات الكهربائية، في وقت تكافح فيه الدول الآسيوية لتأمين إمدادات الوقود.
بدأت ملامح الأزمة حين أغلق الجانب الإيراني حركة المرور عبر مضيق هرمز أوائل شهر مارس الماضي، وتشير بيانات شركة نومورا المالية إلى أن 38% من النفط و23% من الغاز الطبيعي المسال المار، عبر المضيق تتجه عادة للموانئ الصينية، لتمثل نصف إمداداتها من النفط المستورد وسدس احتياجاتها من الغاز الطبيعي.
ورغم هذه المرونة، تأثرت الصين بالاضطرابات الاقتصادية، فأدى ارتفاع أسعار وقود الطائرات لزيادة رسوم التذاكر وإلغاء رحلات، مع ارتفاع تكاليف النقل وأسعار السلع العالمية.
وتدخل المخططون المركزيون لتخفيف زيادات أسعار الغاز والديزل، في حين نقل تقرير لوكالة بلومبرج نيوز عن مصادر مطلعة أن بكين منحت مصافي التكرير الحكومية الضوء الأخضر لاستخدام الاحتياطيات النفطية التجارية.
كيف أمنت بكين الطاقة؟
تعود هذه الاستراتيجية لأكثر من عقد من الزمان، إذ أشرف الرئيس شي جين بينج على تحول اقتصادي لتحقيق أمن الطاقة، معتمدًا على تفكير أسوأ السيناريوهات بعالم يراه معاديًا ومتقلبًا.
ورفعت الحكومة وشركات النفط صادراتها قبل الصراع لجمع احتياطيات ضخمة، حيث تقدر شركة بيانات التجارة كبلر امتلاك الصين 1.3 مليار برميل بحلول شهر مارس لتكفي احتياجاتها لثلاثة أشهر.
وتقول إريكا داونز، الباحثة بمركز سياسة الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا، إن قدرة الصين على تحمل الصدمات «تمثل نوعًا من إثبات صحة كل ما فعلوه لتعزيز أمن الطاقة»، مضيفة «هناك الكثير مما يمكنهم النظر إليه والقول لقد اتخذنا القرار الصحيح». وأشار شي أواخر الشهر الماضي، لتقرير من تلفزيون الصين المركزي سي سي تي في، قائلًا «كنا من أوائل الدول في تطوير طاقة الرياح والطاقة الشمسية وهذا المسار يثبت الآن أنه كان استشرافيًا للمستقبل».
ثورة طاقة متجددة
وتوازيًا، أطلقت الصين ثورة طاقة متجددة تشمل الرياح والشمس والكهرومائية، وتستخدم محطة جينتا الحرارية الشمسية ذات البرج الملحي المنصهر بصحراء جوبي في قانسو أنواعًا متعددة لتوليد الكهرباء.
ويجري تركيب مزارع شمسية ورياح بسرعة عبر البلاد، وتعمل توربينات مزرعة بايونلينج بقوانجشي بطاقتها القصوى. وتقود الصين العالم بإنتاج الطاقة المتجددة، مشغلة ثلاثة أضعاف طاقة الرياح والشمس بأمريكا والهند مجتمعتين وفقًا لجلوبال إنرجي مونيتور، ليتوسع نصيبها بهدف التفوق على الفحم يومًا ما.
وأسهم ذلك بخفض الطلب النفطي بأكثر من مليون برميل يوميًا، بفضل ارتفاع مبيعات السيارات الكهربائية والهجينة، التي تمثل أكثر من نصف المركبات الجديدة بالصين وفق دراسة مجموعة روديوم عام 2025، وتوقعت وكالة الطاقة الدولية بلوغ استهلاك الصين النفطي ذروته بعام 2027.
وتصنع المصانع المحلية بطاريات رخيصة للسيارات الكهربائية بفضل هيمنتها على سلاسل التوريد، وتعمل الروبوتات والموظفون بخطوط إنتاج شركات مثل نيو بمدينة خفي لتجهيزها للتصدير عبر موانئ كشنغهاي.
وعلى الجانب الآخر، لم تتخل الصين عن الوقود الأحفوري الضروري لبعض الصناعات والنقل. وتستمر رواسب الفحم الغنية بالمقاطعات الشمالية بتغذية محطات الطاقة، حيث يفحص العمال قطارات الشحن بمنجم فحم شوندونج المكشوف بشينجيانج.
ويرى منتقدون أن بكين أكبر مصدر للانبعاثات عالميًا يجب أن تضع أهدافًا أطمح لخفض الفحم. ودعا شي في عام 2018 لتجديد إنتاج النفط والغاز تزامنًا مع توترات تجارية مع إدارة ترامب الأولى، ووصلت الصين لمستوى قياسي بإنتاج النفط العام الماضي، بضخ حقول قديمة واحتياطيات بحر بوهاي وآبار شينجيانج.
وتستورد الصين 15% فقط من إجمالي طاقتها، لكنها تعتمد على الواردات لتوفير 70% من نفطها و40% من الغاز الطبيعي.
نقطة القوة
نظرت الصين لاعتمادها على الشرق الأوسط كنقطة ضعف خطيرة منذ التسعينيات، فخشي القادة تحول مضيق ملقا لنقاط اختناق.
وبنت خطوط أنابيب برية من آسيا الوسطى وروسيا وميانمار، وتنوعت مصادرها لتتصدر روسيا موردي النفط.
وتمتلك بكين ثلث قدرة الطاقة الكهرومائية العالمية وتطلق مشاريع سدود طموحة وتتجه لتكنولوجيات كالاندماج النووي والهيدروجين الأخضر.
ويبرز هذا الصمود تناقضًا مع الولايات المتحدة التي تراجعت عن الطاقة المتجددة وأطلق عليها نقاد دولة بترولية.
وتسعى بكين لاستغلال التناقض لتعزيز رسالة شي بأن العالم مليء بالفوضى بينما تمثل الصين قائدًا مسؤولًا.
وسجلت الصين نموًا قويًا بالربع الأول من عام 2026، وارتفعت صادرات السيارات الكهربائية 78% وبطاريات الليثيوم 50% وتوربينات الرياح 45% وفقًا للبيانات الرسمية. ورغم قيود التصدير لدول كأمريكا وكندا والاتحاد الأوروبي، يعتمد قطاع التصنيع الصيني على الطلب الخارجي بظل ضعف الاستهلاك المحلي.
وقال مويو شو، كبير محللي النفط في كبلر، إن «قرار التأكيد على أمن الطاقة وتعزيز المخزون الاحتياطي يؤتي ثماره بشكل جيد»، مضيفًا «يجب ضمان إمدادات البنزين والديزل لأن هذا هو الخط الأحمر للصين».
وأوضح لين بوقيانج بجامعة شيامن، قائلًا «كنا نقلق سابقًا بشأن أمن الطاقة في الصين لكننا نعلم الآن أن حلنا قابل للتطبيق»، مؤكدًا «لدينا مصادر متجددة ومركبات كهربائية وعندما ترتفع أسعار النفط تصبح هذه المركبات أكثر تنافسية ولولا 20 عامًا من الاستثمار لما امتلكنا هذا الآن». وأضاف أن إغلاق هرمز سيجبر الدول للإنتاج المحلي، وأن الدول المترددة باستخدام تقنيات الصين قد تحتاج للتفكير مرتين.














