كشف توم فليتشر، وكيل الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، عن أرقام صادمة تتعلق بالإنفاق العسكري في النزاع الدائر بإيران، موضحًا أن الولايات المتحدة تنفق نحو ملياري دولار يوميًا على هذه الحرب.
وقال فليتشر، خلال كلمة ألقاها في معهد "تشاتام هاوس" بلندن، منتصف هذا الأسبوع، أن هذا المبلغ الضخم الذي يُنفق في غضون أسبوعين فقط، كان كفيلاً بتمويل خطة إنسانية شاملة لإنقاذ حياة أكثر من 87 مليون شخص حول العالم، وهي الخطة التي تبلغ ميزانيتها المستهدفة 23 مليار دولار.
ويواجه مسؤولو الأمم المتحدة حاليًا فجوة تمويلية حادة تصل إلى 50% من الميزانية المطلوبة، مما يضع جهود الإغاثة في حالة من الشلل الجزئي.
وأوضح فليتشر أن العجز الذي تعاني منه ميزانيته يبلغ نحو 10 مليارات دولار، مشيرًا أن تقليص المساعدات الدولية لم يعد يقتصر على واشنطن فحسب، بل امتد ليشمل عواصم أوروبية عديدة، مدفوعًا بتوجهات أيديولوجية وزيادة في ميزانيات الدفاع على حساب العمل الإنساني.
الأمم المتحدة تحذّر من مخاطر تطبيع لغة التدمير
انتقد المسؤول الأممي بشدة تصاعد نبرة التهديدات العسكرية، محذرًا من أن استخدام مصطلحات مثل "إعادة إيران إلى العصر الحجري" يمثل منزلقًا خطيرًا يؤدي إلى تطبيع العنف اللفظي.
ويرى فليتشر أن هذا النوع من الخطاب يمنح الضوء الأخضر لمن وصفهم بـ "المستبدين الطامحين" لاستخدام تكتيكات مماثلة، تشمل استهداف المدنيين وتدمير البنية التحتية الأساسية، وهو ما يعد انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الذي تحاول الأمم المتحدة حمايته.
وفي سياق تقييمه للعلاقات مع الإدارة الأمريكية الحالية، وصف فليتشر التعامل مع فريق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه يشبه "الأفعوانية"، لافتًا إلى وجود اختلاف جوهري في الرؤى بين مفهوم "رجل الدولة" ومفهوم "رجل العقارات".
وأوضح أن الإدارة الحالية تفضل خلق حالة من عدم اليقين والاضطراب لانتزاع النتائج، بينما تعتمد أروقة الأمم المتحدة على الاستقرار والبروتوكولات والمؤسسية.
تراجع الدور البريطاني في رؤية الأمم المتحدة
انتقل فليتشر في حديثه لانتقاد السياسة الخارجية البريطانية، متهمًا السياسيين في لندن بالدخول في حالة من "التراشق المتبادل" منذ أكثر من عقد، مما جعل المملكة المتحدة تتقوقع في وضع دفاعي وتتخلى عن ريادتها في ملف المساعدات الدولية.
وأشار أن خفض المساعدات البريطانية بنسب حادة جعل خطاب لندن حول الريادة الفكرية في العمل الإنساني محل سخرية في المؤتمرات الدولية، محذرًا من أن هذا التراجع يمنح غطاءً لدول أخرى للقيام بخطوات مماثلة.
وأعرب فليتشر عن قلقه العميق إزاء استهداف العاملين في المجال الإنساني، مبينًا أن الأعوام الثلاثة الماضية شهدت مقتل أكثر من ألف عامل إغاثة، سقط الكثير منهم ضحية لهجمات الطائرات المسيرة.
وطالب القوى الكبرى في مجلس الأمن التابع لمنظمة الأمم المتحدة بالتوقف عن إصدار البيانات الإنشائية، والبدء في اتخاذ خطوات فعلية لوقف تسليح الأطراف التي تستهدف طواقم الإغاثة، مشددًا على ضرورة وجود محاسبة حقيقية لمرتكبي هذه الجرائم.
ويختم المسؤول الإنساني حديثه بالتحذير من أن تبعات النزاع في إيران ستستمر لسنوات طويلة، حيث ستؤدي معدلات التضخم في الغذاء والوقود، التي اقتربت من 20%، إلى دفع المزيد من السكان في شرق إفريقيا ودول جنوب الصحراء نحو فقر مدقع.
وتجد الأمم المتحدة نفسها اليوم في اختبار عسير للمفاضلة بين قبول تمويلات مشروطة بأجندات سياسية واجتماعية معينة، وبين التمسك بمبادئها المهنية رغم شبح المجاعة الذي يهدد الملايين.














