دخلت جهود السلام في قطاع غزة نفقاً جديداً من الجمود السياسي، بعدما كشف مسؤول فلسطيني رفيع المستوى مطلع على سير المفاوضات عن رفض حركة حماس القاطع لخطة "نزع السلاح" التي طرحها نيكولاي ملادينوف، أحد أبرز الشخصيات الفاعلة في مبادرة السلام التي يقودها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ويأتي هذا الرفض ليضع عقبات كبرى أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق الذي يهدف إلى إنهاء الصراع الدائم في المنطقة.
اتهامات بالانحياز وتفخيخ المفاوضات
اتهمت الدوائر القيادية في حركة حماس نيكولاي ملادينوف، الممثل السامي لغزة في مجلس السلام الذي ترعاه واشنطن، بالتبني الكامل للموقف الإسرائيلي، وكان ملادينوف قد قدم الشهر الماضي إطاراً تفصيلياً يشترط تجريد الفصائل الفلسطينية في غزة من سلاحها كجزء أساسي من "المرحلة الثانية" لاتفاق وقف إطلاق النار المبرم في أكتوبر الماضي.
ويرى المسؤولون الفلسطينيون أن ملادينوف ربط بشكل تعجيزي بين عملية إعادة إعمار القطاع المدمر وبين الامتثال الفوري لنزع السلاح، وهو ما اعتبرته الفصائل "مقايضة مرفوضة" وتجاهلاً لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وتؤكد حماس أن قضية السلاح مرتبطة بحل سياسي شامل يضمن إقامة دولة مستقلة، وليس بترتيبات أمنية مجتزأة تخدم المصالح الإسرائيلية فقط.
المرحلة الأولى.. وعود لم تكتمل
على الرغم من أن المرحلة الأولى من خطة ترامب نجحت في وقف العمليات العسكرية الكبرى وإتمام صفقة تبادل للأسرى والرهائن، إلا أن حماس أبلغت الوسطاء الإقليميين في القاهرة بأنها لن تفتح ملف المرحلة الثانية قبل التنفيذ الكامل لالتزامات المرحلة الأولى.
وتتمثل مطالب الحركة العالقة في ضرورة إتمام الانسحاب العسكري الإسرائيلي الشامل من المناطق التي لا تزال تتواجد فيها القوات، وإعادة فتح معبر رفح وبقية المعابر التجارية والأفراد بشكل دائم، مع ضمان تدفق المساعدات الإنسانية والسلع دون قيود، كما تشترط الحركة تمكين "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" —وهي هيئة تكنوقراطية فلسطينية متفق عليها— من ممارسة مهامها في إدارة شؤون القطاع مؤقتاً بعيداً عن التدخلات الخارجية.
الواقع الإنساني المأساوي وحصيلة الدم
تأتي هذه التعقيدات السياسية في وقت لا تزال فيه غزة تلملم جراحها، حيث تشير بيانات وزارة الصحة في القطاع إلى مقتل أكثر من 72,330 شخصاً منذ اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر 2023، واللافت في الأرقام أن 757 شخصاً سقطوا منذ دخول وقف إطلاق النار الهش حيز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025، مما يعزز من وجهة نظر حماس بوجود "خروقات إسرائيلية مستمرة" تستوجب ضمانات دولية قبل المضي قدماً في أي مفاوضات جديدة.
وتطالب الفصائل بضرورة إدخال المعدات الثقيلة لإزالة الركام، وإعادة تأهيل المستشفيات التي خرجت عن الخدمة، وتشغيل المخابز ومرافق المياه والكهرباء كأولوية قصوى تسبق أي حديث عن الترتيبات الأمنية طويلة الأمد.
صدام الرؤى
في المقابل، تتبنى حكومة الاحتلال الإسرائيلي موقفاً متصلباً، حيث أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بوضوح أن نزع سلاح حماس سيتم "إما بالطريقة السهلة أو بالطريقة الصعبة"، مؤكداً أن تل أبيب لن تمضي في مسار إعادة الإعمار أو الانسحاب الكامل دون ضمانات أمنية.
في ظل تعثر المفاوضات وتباين المواقف بين الأطراف، يبقى مستقبل المرحلة الثانية من اتفاق السلام غير واضح، وسط مخاوف من انهيار كامل للمسار السياسي وعودة التصعيد العسكري في أي لحظة.
اقرأ أيضًا:
بعد ترامب.. هل تتغير السياسية الأمريكية تجاه إيران؟












