طرحت إيران شرطًا إضافيًا ضمن حزمة مطالبها لإنهاء الحرب، يتمثل في الحصول على اعتراف رسمي بسيادتها على مضيق هرمز، وهو تطور جديد لم يكن حاضرًا في مواقفها السابقة خلال جولات التفاوض مع الولايات المتحدة.
يُعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية في العالم، حيث تمر عبره نسبة كبيرة من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال عالميًا. ومع تصاعد التوترات، تحوّل هذا الممر إلى أداة ضغط استراتيجية بيد طهران، التي تسعى حاليًا إلى استثماره ليس فقط كورقة سياسية، بل أيضًا كمصدر محتمل لإيرادات ضخمة قد تصل إلى مليارات الدولارات سنويًا.
ورغم أن إيران لوّحت في السابق بإغلاق المضيق ردًا على أي هجوم، فإن تنفيذ تهديداتها الأخيرة وما ترتب عليه من تعطيل فعلي لحركة الملاحة فاق التوقعات، وأدى إلى اضطرابات واسعة في سلاسل الإمداد وأسواق الطاقة، ما دفع دولًا بعيدة عن منطقة الخليج إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لضمان تدفق الوقود.
نفوذ اقتصادي دائم
ترى تحليلات اقتصادية أن طهران استوعبت حجم التأثير الذي يمكن أن تمارسه عبر هذا الممر، وتسعى إلى تحويل هذا النفوذ المؤقت إلى أداة دائمة تعزز موقعها في الاقتصاد العالمي وتمنحها قدرة أكبر على التأثير في خصومها.
في المقابل، أبدت الولايات المتحدة قلقًا واضحًا من هذا التوجه، فقد حذر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو من أن أي محاولة لفرض رسوم عبور على السفن في مضيق هرمز تمثل تحديًا مباشرًا للنظام الدولي، مؤكدًا أن مثل هذه الخطوة غير مقبولة وتشكل تهديدًا للاستقرار العالمي، وداعيًا إلى وضع آلية دولية للتعامل مع هذا السيناريو.
كما شددت دول مجموعة السبع على ضرورة ضمان حرية الملاحة في الممرات الدولية، ووصفت الحفاظ على العبور الآمن والمجاني بأنه أولوية قصوى. وفي مؤشر على الأهمية المتزايدة للمضيق في الاستراتيجية الإيرانية، دعا مجتبى خامنئي إلى مواصلة استخدام ورقة الضغط المرتبطة بإغلاقه، معتبرًا أنها أداة فعالة يجب الحفاظ عليها.
ويختلف هذا الطرح عن مطالب إيران السابقة، التي ركزت على تخفيف العقوبات والاعتراف بحقها في تطوير برنامج نووي سلمي، دون التطرق إلى مسألة السيطرة على مضيق هرمز.
وتشير التطورات الأخيرة إلى توجه داخل المؤسسات الإيرانية نحو إضفاء طابع رسمي على هذا النفوذ، حيث يدرس البرلمان مشروع قانون يلزم السفن التي تعبر المضيق بدفع رسوم مقابل المرور، في حين يجري الحديث عن إنشاء نظام جديد لتنظيم الملاحة يتيح لطهران فرض قيود على خصومها وربط استخدام الممر البحري بمواقفهم السياسية.
انتهاك لقوانين المرور البحري!
من الناحية القانونية، يثير هذا التوجه جدلًا واسعًا. إذ يؤكد خبراء في القانون البحري الدولي أن فرض رسوم على المرور في مضيق دولي يُعد انتهاكًا لقواعد “المرور العابر”، التي تضمن حرية التنقل البحري والجوي دون عوائق في مثل هذه الممرات. وتنظم هذه القواعد اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي تُعد مرجعًا أساسيًا للقانون البحري الدولي، حتى بالنسبة للدول غير الموقعة عليها، نظرًا لاعتماد العديد من مبادئها كأعراف دولية ملزمة.
ولا توجد سوابق حديثة لنجاح دولة في فرض رسوم على مضيق دولي، باستثناء تجربة تاريخية في القرن التاسع عشر عندما فرضت الدنمارك رسومًا على المرور عبر مضائقها، قبل أن تتراجع عنها بموجب اتفاقية دولية ألغت تلك الرسوم بشكل دائم.
ورغم هذه التحديات القانونية، تواصل إيران دراسة الجدوى الاقتصادية لهذا التوجه. وتشير تقديرات إلى أن حجم العائدات المحتملة قد يكون كبيرًا، إذ يمر عبر المضيق يوميًا ما يقارب 20 مليون برميل من النفط، ما يفتح المجال لتحقيق مئات الملايين من الدولارات شهريًا في حال فرض رسوم على الناقلات، مع إمكانية ارتفاع الإيرادات عند احتساب شحنات الغاز الطبيعي المسال.
وتقارن بعض التقديرات بين هذه الإيرادات المحتملة وعائدات قناة السويس، التي تُعد أحد أهم مصادر الدخل لمصر، حيث تحقق مئات الملايين من الدولارات شهريًا في الظروف الطبيعية، رغم تراجع إيراداتها مؤخرًا بسبب اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر. ويأتي هذا التوجه في سياق الضغوط الاقتصادية التي تواجهها إيران نتيجة العقوبات، ما يدفعها للبحث عن أدوات بديلة لتعويض تراجع عائداتها وتعزيز مواردها المالية بوسائل منخفضة التكلفة نسبيًا.
في الوقت نفسه، تؤكد طهران أن المضيق لا يزال مفتوحًا، لكنها تفرض شروطًا على العبور، حيث تسمح للسفن التي لا تعتبرها معادية بالمرور بشرط التنسيق المسبق مع سلطاتها، وهو موقف أبلغته للهيئات الدولية المعنية. وتشير بيانات تتبع الملاحة إلى أن بعض السفن بدأت بالفعل في استخدام مسارات قريبة من المياه الإيرانية، وسط تقارير غير مؤكدة عن دفع مبالغ مالية مقابل ضمان المرور الآمن.
ورغم عدم إعلان أي دولة أو شركة شحن بشكل رسمي عن دفع رسوم، فإن تقارير متخصصة في قطاع النقل البحري تحدثت عن استخدام ممرات جديدة داخل المضيق، مع تسجيل حالات محدودة يُعتقد أنها تضمنت مدفوعات لتأمين العبور. كما أنشأت إيران نظامًا لتسجيل السفن المصرح لها بالمرور، في وقت بدأت فيه بعض الحكومات التواصل مباشرة مع طهران لتأمين حركة ناقلاتها النفطية، في ظل حالة من الارتباك التي يشهدها قطاع الشحن العالمي نتيجة هذه التطورات.
اقرأ أيضًا:
مضيق هرمز.. حروب ناقلات النفط تُعيد نفسها
بعد شهر من الحرب على إيران.. لم يتبق أمام ترامب سوى خيارات صعبة!
كيف يتأثر الغذاء والأدوية والهواتف الذكية بإغلاق مضيق هرمز؟












