رغم الخسائر الكبيرة التي تكبدتها في الأسابيع الأخيرة، تؤكد طهران استمرارها في النزاع مع الولايات المتحدة وإسرائيل، معتبرة أن تمديد المواجهة وسيلة لتعزيز نفوذها الإقليمي وإعادة ترتيب مصالحها في المنطقة. ويرى النظام الإيراني، الذي يعاني من ضغوط اقتصادية وسياسية متزايدة، في استمرار الحرب فرصة لإعادة فرض شروطه على جيرانها ورفع كلفة النزاع على الأطراف الأخرى.
وخلال الأسابيع الماضية، أسفرت الضربات الأمريكية والإسرائيلية الأخيرة عن القضاء على مستويات واسعة من القيادة العسكرية الإيرانية، إضافة إلى تعطيل هيكلها المدني المرتبط بالأمن والدفاع. وأدت هذه الضربات إلى موجة من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية داخل البلاد، حيث يواجه المواطنون نقصًا في المواد الأساسية وارتفاعًا كبيرًا في الأسعار، في وقت تتعرض فيه البنية التحتية للدمار بشكل متزايد بسبب العمليات العسكرية.
شروط جديدة لمصالح إيران
في هذا السياق، واصل قادة إيران الباقون على قيد الحياة تصعيد خطابهم السياسي والعسكري. فقد أكدوا أن استمرار الحرب يعد استراتيجية رئيسية لإجبار الولايات المتحدة وحلفائها على دفع الثمن، سواء من خلال إعادة النظر في تحالفاتهم أو تعديل سياساتهم الإقليمية. وشدد محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني، على أن وقف إطلاق النار لن يكون مقبولاً إلا إذا ضمن عدم قدرة العدو على شن هجمات مستقبلية. وأضاف أن إيران ستواصل القتال حتى يتم تهيئة الظروف السياسية والأمنية التي تضمن تحقيق أهدافها الاستراتيجية.
وعلى صعيد مضيق هرمز، أعلن قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي عن ضرورة وضع "بروتوكول جديد" للمرور البحري يراعي مصالح إيران، ويضمن مرور السفن وفق شروط محددة. ويشير محللون إلى أن طهران قد تطالب برفع التجميد عن أصولها المالية المجمدة أو فرض رسوم على الدول التي تستخدم الممر المائي الحيوي، في محاولة لزيادة الضغط الدولي عليها وتحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية.
وفي إطار الاستراتيجية الإقليمية، أشار سينا طوسي، الزميل غير المقيم في مركز السياسة الدولية، إلى أن إيران تسعى لتحويل الضغوط العسكرية إلى فرصة لإعادة بناء موازين القوى في المنطقة. وقال لشبكة CNN: "إيران تحاول ربط استقرارها الداخلي باستقرار الخليج العربي والاقتصاد العالمي، وتريد أن يكون موقفها مؤثرًا في أي تسوية إقليمية مستقبلية".
ولم تقتصر الهجمات الإيرانية على مصالح الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، بل شملت منشآت مدنية وتجارية في دول الخليج العربي، بما في ذلك الفنادق والمطارات والمراكز الاقتصادية. ويرى خبراء أن هذا التصعيد يهدف إلى فرض واقع إقليمي جديد قائم على الردع، ويظهر قدرة الجيل الجديد من قادة الحرس الثوري الإيراني على تنفيذ استراتيجية تتجاوز الحدود التقليدية للحرب، مستفيدين من الفراغ الذي تركته الضربات الأمريكية والإسرائيلية ضد الجيل السابق.
وعلى صعيد الولايات المتحدة، أكد وزير الدفاع الأمريكي، بيت هيغسيث، مرارًا أن إيران تخسر الحرب، في حين كتب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على منصته الرسمية أن الجيش الإيراني تعرض لتدمير شبه كامل، وأن قياداته العليا تم تحييدها. ومع ذلك، استمرت إيران في إطلاق موجات من الصواريخ والطائرات المسيرة في مناطق مختلفة من الشرق الأوسط، ما أسفر عن سقوط قتلى مدنيين وإثارة توترات مع دول الجوار.
حرب استنزاف لفرض الشروط
تقول نرجس باجغلي، الأستاذة المشاركة في دراسات الشرق الأوسط بجامعة جونز هوبكنز، إن استراتيجية إيران لا ترتكز على الانتصار العسكري المباشر، بل على استمرار الحرب بطريقة تجعلها مكلفة للغاية على الأطراف الأخرى، بما في ذلك الولايات المتحدة والدول الخليجية، ما يتيح لطهران فرض شروطها على التسوية النهائية، مؤكدة أن إيران تراهن على حرب غير متكافئة، تجعل استمرار النزاع أداة ضغط سياسية أكثر من كونه انتصارًا ميدانيًا.
وفي إطار استعداداتها للحرب الطويلة، وضع الحرس الثوري الإيراني خططًا لتفعيل وحدات لا مركزية، تأهبًا لأي هجوم محتمل، مستفيدًا من خبرات المواجهات السابقة مع إسرائيل والولايات المتحدة. وأكد قاليباف أن هذه الخطط تضمن حماية القدرات العملياتية الإيرانية وتمكينها من تنفيذ ضربات متزامنة على مصالح الأطراف المعادية.
في المقابل، حافظت معظم دول الخليج على موقف الحياد رغم الهجمات الإيرانية المتكررة، بينما أعلنت بعض الدول الخليجية، مثل الإمارات، عن استعدادها لتعزيز التعاون مع الولايات المتحدة وإسرائيل لضمان أمن الممرات البحرية والمصالح الاقتصادية الحيوية. وقال أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات، لمركز أبحاث مجلس العلاقات الخارجية، إن إيران تمثل التهديد الرئيسي في المنطقة، وأن الهجمات الأخيرة لن تغير من طبيعة الشراكات الاستراتيجية القائمة منذ عقود مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
ويرى محللون سياسيون أن إيران تسعى من خلال استمرار النزاع إلى ربط مصيرها بالاستقرار الإقليمي والاقتصادي، معتبرة أن أي ضعف في استقرارها الداخلي يعني أيضًا اضطرابات محتملة في الخليج العربي وأسواق الطاقة العالمية. وتوضح الأحداث الأخيرة مدى تأثير هذه الاستراتيجية على حركة الملاحة وأسعار النفط، الأمر الذي يجعل الضغط الاقتصادي جزءًا من الحرب الإيرانية غير التقليدية.
في نهاية المطاف، يبدو أن هدف النظام الإيراني ليس الانتصار العسكري المباشر، بل فرض شروط سياسية وأمنية جديدة على المنطقة، واستعادة قدرة الردع، ورفع كلفة استمرار النظام لأي خصم، حتى يتمكن من فرض واقع إقليمي يتوافق مع مصالحه بعد الحرب.
اقرأ أيضًا:
ترامب بين الهجمات الإيرانية والتعزيزات الأمريكية.. إلى أين تتجه الأزمة؟
لماذا ترفض أوروبا الانخراط في حرب إيران رغم الضغوط الأمريكية؟
كيف دعمت الصين إيران بشكل غير مباشر في الحرب الجارية؟












