في صباح الثامن والعشرين من فبراير، بدت الخطة الأمريكية الإسرائيلية مثالية على الورق، حيث توفرت معلومات استخباراتية حديثة تؤكد اجتماع المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، البالغ من العمر 86 عامًا، مع كبار مسؤوليه. وبناءً على ذلك، سارعت واشنطن وتل أبيب لتنفيذ هجوم يهدف إلى محو القيادة العليا للنظام بضربة واحدة، مستندتين في حساباتهما إلى فرضية أن الفراغ المفاجئ في السلطة سيفتح الباب لقادة من الصف الثاني يُعتقد أنهم يميلون لتدشين حقبة أكثر ودًا مع الولايات المتحدة.
وقد نجحت الضربات الأولى بالفعل في قتل خامنئي وكبار مساعديه، لتتدفق التقارير الأولية حاملة مفارقة قاسية قلبت مسار الأحداث رأسًا على عقب، إذ مسح الهجوم تمامًا كل المرشحين الذين كانت الإدارة الأمريكية تضعهم في الحسبان لقيادة إيران. ونتيجة لذلك، اعترف الرئيس دونالد ترامب بعد أيام من الضربة بحجم الورطة قائلًا «معظم الأشخاص الذين كنا نفكر فيهم ماتوا، والآن لدينا مجموعة أخرى، وقد يكونون أمواتًا أيضًا بناءً على التقارير، لذا أعتقد أن موجة ثالثة ستأتي، وقريبًا جدًا لن نعرف أحدًا».
وشكل هذا الأثر الواسع للهجوم الأول بداية لسلسلة من المغامرات التي حولت عملية عسكرية تصورها البيت الأبيض لأسابيع فقط إلى حرب مفتوحة خارجة عن السيطرة الأمريكية.
وفي خضم ذلك، اختار ترامب المضي قدمًا مدفوعًا بنشوة نجاحات عسكرية سابقة لم تلق ردًا إيرانيًا قاسيًا، مثل اغتيال القائد العسكري قاسم سليماني في ولايته الأولى وقصف ثلاثة مواقع نووية إيرانية العام الماضي، فضلًا عن حماسه بعد الإطاحة السريعة بزعيم فنزويلا.
ورغم تلقيه تحذيرات واضحة بأن النتيجة المرجحة لاغتيال خامنئي هي صعود قائد متشدد آخر، وتنبيهه لاحتمالات الانتقام وإغلاق مضيق هرمز، تمسك فريقه بأمل صعود وجه أكثر ودية.
وفي هذا السياق، صرحت السكرتيرة الصحفية للبيت الأبيض كارولين ليفيت لشبكة سي إن إن بأن ترامب أُحيط علمًا بكافة المخاطر وقرر أن الحرب تستحق الخوض، مضيفة «كان هذا هو الأمل وظل احتمالًا، والنتيجة الأكثر ترجيحًا التي عُرضت على الرئيس، وهو يعرف ذلك، كانت تعيين شخص أكثر تشددًا من قبل من تبقى من النظام».
ارتدادات الفوضى والجبهات المفتوحة
وسرعان ما تبددت تطلعات واشنطن باستسلام سريع أو تمرد شعبي، حيث تماسك النظام الإيراني وعين المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل، الذي توعد بالانتقام في أول رسالة منسوبة إليه.
وعلى الصعيد الداخلي الإيراني، غابت علامات التمرد، وتراجع تأييد بعض الداعمين للقصف كحل أخير مع ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين وتدمير البنية التحتية، مما دفع رجلًا إيرانيًا يبلغ من العمر 47 عامًا للقول لشبكة سي إن إن «اعتقدت أن قتل خامنئي سينهي كل هذا، وأدركت الآن أن هؤلاء متعصبون وأن استشهاده لم يزد سوى من حماسهم».
وفي سياق متصل، اشتكت امرأة من طهران تبلغ من العمر 56 عامًا من الدمار الواسع، قائلة «لم يكن من المفترض أن يحدث هذا، لم يكن مقدرًا لهم أن يضربوا المدارس أو المتاحف».
ويتزامن ذلك مع غياب تفسير دقيق من السرد الرسمي الأمريكي لبعض الخسائر الفادحة، إذ لا تتوفر إجابات واضحة حول أسباب قصف مدرسة فتيات إيرانية أسفر عن مقتل 168 طفلة، وهو ما دفع المشرعين الأمريكيين للمطالبة بتوضيحات.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فقد اتسع نطاق الرد الإيراني ليشمل ضربات انتقامية ضد دول عربية مجاورة لم تشارك في الهجوم، مع تحذير المرشد الجديد لدول الخليج من مغبة الإبقاء على علاقاتها مع الولايات المتحدة لتجنب هجمات مستقبلية. بالتوازي مع ذلك، استغلت إسرائيل هذه الفوضى لتنفيذ خطط هجوم متجدد ضد حزب الله في لبنان، وذلك بعد أن أطلق الأخير ستة صواريخ على شمال إسرائيل في الثاني من مارس، أي بعد أقل من 48 ساعة على الضربات الأمريكية.
وقد برر مسؤول عسكري إسرائيلي ذلك لشبكة سي إن إن، قائلًا «في مواجهة نافذة الفرصة التي فتحت عندما اختار حزب الله بدء حرب، يجب علينا استخدام هذه اللحظة لإنهاء ما لم نكمله»، مما كلف المدنيين اللبنانيين ثمنًا باهظًا تمثل في مقتل قرابة 800 شخص ونزوح مئات الآلاف.
وقد لخص المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية ماجد الأنصاري حالة الإحباط الإقليمي الواسع من تجاهل واشنطن للتحذيرات المسبقة، قائلًا «الآن يمكنك وضع خريطة للمنطقة، ولن تتمكن من العثور على مساحة لا يحدث فيها تصعيد، هذا هو أكبر ألم أقل لكم ذلك في تاريخ عبارات ألم أقل لكم ذلك».
شلل الاقتصاد العالمي وأروقة واشنطن المرتبكة
ومع استمرار التصعيد، امتدت النيران من ساحات القتال إلى شرايين الاقتصاد العالمي، حيث أوقفت إيران تدفق النفط عبر مضيق هرمز، الممر الذي يعبر منه نحو 20% من نفط العالم، قاطعة بذلك ما يصل إلى 20 مليون برميل يوميًا عن السوق العالمية. وانعكس هذا الانقطاع سريعًا على الأسواق، ليرتفع متوسط سعر جالون البنزين في الولايات المتحدة إلى 3.63 دولار، بزيادة قدرها 65 سنتًا منذ بدء الحرب، مسجلًا أعلى مستوى له منذ عامين تقريبًا.
وأمام هذا التدهور، فشلت محاولات الإدارة الأمريكية لاحتواء أزمة الطاقة، ولم يلقَ عرض بتقديم 20 مليار دولار لتأمين السفن العابرة للمضيق أي استجابة، خاصة في ظل الهجمات العنيفة على الناقلات.
وإزاء ذلك، اضطرت واشنطن لتغيير موقفها والضغط على حلفائها للإفراج المنسق عن نحو 400 مليون برميل من الاحتياطيات الاستراتيجية، في خطوة هي الأكبر في تاريخ وكالة الطاقة الدولية، غير أنها لم تفلح في تهدئة الأسواق. وتصعيدًا للموقف، أعلن ترامب لاحقًا قصف جزيرة خرج الإيرانية التي تعتمد عليها طهران في معظم صادراتها النفطية، مهددًا عبر منصة تروث سوشيال بتدمير بنيتها التحتية النفطية بالكامل إذا استمر التدخل في حرية مرور السفن.
ويعود جزء كبير من هذا التخبط العسكري والدبلوماسي إلى تقليص البيت الأبيض لحجم مجلس الأمن القومي خلال العام الماضي، حيث أوضح مسؤول أمريكي كبير أن غياب التنسيق المؤسسي أدى إلى انهيار التخطيط، في حين نفت ليفيت هذا الضعف معتبرة أن الرئيس لا يحتاج إلى طبقات من البيروقراطيين لاتخاذ القرارات. وانتقل هذا الارتباك إلى أروقة الكونجرس حيث يواجه كبار مسؤولي إدارة ترامب انتقادات حادة، فخلال إحاطة سرية عجز وزير الخارجية ماركو روبيو عن تحديد إطار زمني للعملية رغم تصريح ترامب بأنها ستستغرق بين أربعة وخمسة أسابيع.
وقد عبر السيناتور الديمقراطي ريتشارد بلومنثال عن هذا الاستياء لشبكة سي إن إن قائلًا «لقد شعرت بالانزعاج من غياب الوضوح والفشل في امتلاك أي فكرة عما يعنيه النجاح، وقلقي المتزايد هو أن إيران قد لا ترغب في إنهاء الحرب عندما نفعل نحن، ولهم رأي في ذلك».
ولم يقتصر القلق على الداخل الأمريكي، حيث تفاقمت المخاوف بين الحلفاء الأجانب، مما دفع المستشار الألماني فريدريش ميرتس لزيارة البيت الأبيض الأسبوع الماضي بحثًا عن نهاية محددة للحرب، ليخرج غير راضٍ ويصرح في برلين «نحن قلقون بشكل خاص من عدم وجود خطة مشتركة واضحة لإنهاء هذه الحرب بشكل سريع ومقنع».
وفي ظل هذه الفوضى العارمة، تأخرت وزارة الخارجية الأمريكية يومين كاملين قبل تحذير مواطنيها بمغادرة المنطقة، تاركة العديد من الأمريكيين عالقين ومجبرين على البحث عن رحلات إجلاء مكلفة، قبل أن تتراجع لاحقًا عن توفير المزيد من الرحلات بحجة نقص الطلب.
وحتى الآن، حصدت المعارك أرواح 13 عسكريًا أمريكيًا وأسفرت عن إصابة نحو 140 آخرين، وسط استطلاعات رأي مبكرة تظهر معارضة شعبية أمريكية واسعة. ورغم سعي وزيري الخارجية روبيو والدفاع بيت هيجسيث لتحديد أهداف عملية لتدمير قدرات إيران الصاروخية والبحرية والنووية، يستمر ترامب في تقديم تصريحات متناقضة تتأرجح بين الرغبة في اختيار زعيم إيران شخصيًا ورفض استبعاد إرسال قوات برية، مصرحًا للجمهوريين في مجلس النواب «لقد فزنا بالفعل بعدة طرق، لكننا لم نفز بما فيه الكفاية، ونمضي قدمًا بعزم أكبر لتحقيق نصر نهائي».
وفي النهاية، وحين سُئل في مقابلة عبر إذاعة فوكس نيوز عن موعد انتهاء هذه الحرب المفتوحة التي انطلقت من حسابات خاطئة وتفتقر لأي استراتيجية خروج واضحة، قدم الرئيس الأمريكي إجابة تختزل المشهد كله قائلًا «عندما أشعر بذلك، أشعر به في عظامي».











