وجدت الهند نفسها فجأة في قلب تقلبات جيوسياسية حادة، حيث تسببت العمليات العسكرية الأخيرة في الشرق الأوسط في تقويض استراتيجية واشنطن لعزل موسكو اقتصاديًا، فبينما أمضت إدارة الرئيس دونالد ترمب العام الماضي في الضغط على نيودلهي لتقليص اعتمادها على الخام الروسي، أدى إغلاق مضيق هرمز إلى قلب الموازين، مما أجبر البيت الأبيض على منح استثناءات مؤقتة تسمح بتدفق النفط الروسي مجددًا لتجنب أزمة طاقة عالمية شاملة.
الهند تبحث عن بدائل في ظل شلل مضيق هرمز
في فبراير الماضي، بدا أن سياسة "العصا والجزرة" التي انتهجها ترمب قد أتت أكلها، إذ استجابت الهند للضغوط الأمريكية وخفضت مشترياتها من روسيا مقابل تخفيف الرسوم الجمركية التي بلغت 50% على صادراتها.
ومع ذلك، فإن الهجوم الأمريكي الإسرائيلي المشترك على إيران في 28 فبراير الماضي، وما تلاه من إغلاق فعلي لمضيق هرمز، وضع نيودلهي أمام خيار وحيد، وهو العودة إلى المورد الذي حاولت واشنطن جاهدة إبعادها عنه.
ومع وصول أسعار النفط إلى حاجز 100 دولار للبرميل لأول مرة منذ عام 2022، لم يعد أمام نيودلهي متسع من الوقت.
وبحسب بيانات "كبلر" لتحليل البيانات، فإن ما يقرب من 2.7 مليون برميل من واردات الهند اليومية كانت تمر عبر المضيق المشلول حاليًا، وهي إمدادات تأتي من السعودية والعراق والكويت والإمارات.
دفع هذا الانقطاع المفاجئ المحللين للتوقع بأن ترفع نيودلهي حصة النفط الروسي في مزيجها الطاقي إلى نحو 45% مجددًا.
وفي خطوة تعكس حجم المأزق الأمريكي، أعلنت وزارة الخزانة واشنطن عن منح المصافي في الهند مهلة مدتها 30 يومًا لشراء الشحنات الروسية العالقة في البحار.
وبرر وزير الخزانة، سكوت بيسنت، هذا التحول الجذري بضرورة "ضمان استمرار تدفق النفط إلى السوق العالمية"، ملمحًا إلى إمكانية رفع العقوبات عن مزيد من شحنات النفط الروسية لتعويض النقص العالمي.
وتحمل هذه الاستراتيجية الأمريكية في طياتها مفارقة سياسية محرجة؛ فبينما تسعى واشنطن لتجفيف منابع التمويل لحرب الكرملين، تساهم سياساتها العسكرية في الشرق الأوسط في ضخ أموال جديدة إلى خزائن موسكو.
وترى مديرة مبادرات جنوب آسيا في معهد "آسيا سوسيتي"، فاروه عامر، أن هذا الإعفاء المؤقت هو "مسكن للألم" وليس حلًا جذريًا، خاصة أن الشحنات الروسية تستغرق وقتًا أطول للوصول إلى الموانئ في الهند مقارنة بإمدادات الخليج.
من جانبها، تحاول نيودلهي طمأنة الأسواق؛ إذ صرح مصدر في وزارة النفط بأن البلاد تمتلك احتياطيًا استراتيجيًا يكفي لنحو ثمانية أسابيع.











