فقدت الإدارة الأمريكية أداة اقتصادية استثنائية طالما استخدمها الرئيس ترامب لتدمير الأعراف الراسخة للتجارة العالمية، وذلك في أعقاب تدخل قانوني أفضى إلى تقييد صلاحيات فرض الرسوم الجمركية المفتوحة.
غير أن هذا التحول لم ينهِ حقبة الحماية التجارية التي انطلقت من واشنطن، بل أسس لمفارقة جديدة تتمثل في تجريد الولايات المتحدة من قدرتها على التلويح بتهديد الرسوم الجمركية الفورية المكونة من ثلاثة أرقام، مع بقاء التجارة كأداة مفضلة للإدارة الحالية وربما الإدارات المستقبلية، وإن باتت آلياتها أبطأ وأكثر تقييدًا.
المحكمة العليا والبدائل المؤقتة
جاء التحول الأبرز في الساعات التي تلت إصدار المحكمة العليا قرارًا يقضي بإلغاء الجزء الأكبر من الرسوم الجمركية التي شكلت المحور الأساسي للأجندة الاقتصادية لإدارة ترامب، معتبرة إياها غير قانونية، الأمر الذي أسفر عن إنهاء حقبة سلطات الطوارئ التجارية المفتوحة، ليتراجع معها تأثير «الصدمة والترويع» الذي ميز سياسة الإدارة الأمريكية.
ورغم الضربة القانونية، بدا الرئيس ترامب أكثر جرأة وتصميمًا، إذ تعهد يوم الجمعة الماضي باللجوء إلى «بدائل قوية للغاية» لفرض المزيد من الرسوم. وتُرجم هذا التعهد سريعًا عبر تفعيل المادة 122، التي تشكل إطارًا قانونيًا بديلًا، لإعادة فرض ضريبة شاملة بنسبة 15% على جميع السلع الأجنبية. ويخضع هذا الإجراء الجديد لقيود صارمة تتضمن سقفًا إلزاميًا لا يتجاوز 15%، ومدة زمنية مؤقتة تصل بحد أقصى إلى 150 يومًا.
وإلى جانب هذا الإجراء المؤقت، قدمت الإدارة وعودًا بتعزيز هذه الخطوات عبر فرض رسوم دائمة تستند إلى سلطات منفصلة، بينما تشير المعطيات إلى أن تفعيل هذه الصلاحيات يستلزم تحقيقات معقدة قد تتطلب أشهرًا عدة لاكتمالها.
تحول في شكل الحمائية التجارية
لم يشهد المشهد الاقتصادي تراجعًا عن السياسات الحمائية، بل تغييرًا في بنيتها القانونية. وفي تحليل لهذا التحول، أوضح كبير الاقتصاديين في شركة «ريستاد إنرجي»، كلاوديو جاليمبرتي، أن إدارة ترامب فقدت قدرتها على فرض معدلات عقابية فردية، قائلًا: «بالنسبة لدول الاتحاد الأوروبي والشركاء التجاريين مثل الهند وكندا، لم تعد المعدلات العقابية الفردية خيارًا مطروحًا لإدارة ترامب».
ووصف جاليمبرتي المشهد الجديد بتعبير دقيق، مشيرًا إلى أن «العصا الآن بنفس الحجم للجميع، وهي أصغر قليلًا». وخلص في تقييمه إلى أن السياسة الحالية لا تمثل ارتدادًا عن الحمائية، بل أسست لـ «نظام تعريفة جمركية أمريكي أضيق وأكثر تقييدًا من الناحية القانونية».
العالم يطوي صفحة النظام القديم
في مقابل هذا التعديل الهيكلي في السياسة الأمريكية، لم يقف العالم في موقع الانتظار، بل بدأ فعليًا في التكيف مع هذا الواقع الجديد وغير المتوقع. وتتجه الدول نحو صياغة شراكات واتفاقيات تجارية جديدة لا تبدو قابلة للتراجع، مما يعكس تحولًا جذريًا في موازين التجارة الدولية.
تبلور هذا الموقف العالمي خلال المنتدى الاقتصادي العالمي الشهر الماضي، حيث أعلن رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، نهاية النظام الاقتصادي المعهود. ووجه كارني دعوة صريحة لما وصفها بـ «القوى المتوسطة» لبناء تحالفات جديدة في ظل انكفاء «القوى الكبرى»، كالولايات المتحدة، نحو سياسات الانغلاق الداخلي، مصرحًا: «نحن نعلم أن النظام القديم لن يعود. لا ينبغي لنا أن نحزن عليه».
استراتيجية أمريكية متعمدة
من جانبه، أكد أستاذ العلوم السياسية بجامعة كولومبيا، جيفري فريدن، خلال مؤتمر اقتصادي عقد أمس الأحد في واشنطن العاصمة، أن النهج الأمريكي الجديد يمثل استراتيجية واعية ومستمرة. وقال فريدن: «أوضحت الإدارة تمامًا أنها ستتبع طرقًا أخرى لتحقيق أهدافها في السياسة التجارية، وهذا سيستمر».
وأضاف مفسرًا ديناميكية العلاقات الدولية الحالية: «تصيغ الحكومات حول العالم سياساتها وردود أفعالها بناءً على السلوك المتوقع». وختم تقييمه للموقف الأمريكي بالقول: «في هذه المرحلة، أوضحت الولايات المتحدة تمامًا أنها تريد إعادة تشكيل النظام الاقتصادي الدولي».
وتخلص المعطيات إلى أن الرسوم الجمركية المرتفعة، وإن اختلفت أسسها القانونية وأصبحت مقيدة بسقوف وفترات زمنية، ستبقى كأمر واقع. ولا تزال الولايات المتحدة، حتى الآن، تحاول التكيف مع الآثار الاقتصادية المترتبة على سياسات الحماية التي تجعل السلع الأجنبية أكثر تكلفة. وفي ظل هذه القيود الجديدة المحيطة بالسلطة الجمركية للرئيس، سيواصل هذا الانتقال الاقتصادي إحداث موجات ارتدادية عميقة تضرب في جنبات الاقتصاد العالمي، مؤسسة لقواعد اشتباك تجاري جديدة تختلف كليًا عما عرفه العالم قبل حقبة ترامب.














