ما إن نشرت وزارة العدل الأمريكية ملايين الصفحات الجديدة من ملفات جيفري إبستين حتى عاد اسمه ليتصدر واجهة النقاش العام، وتحوّل الإنترنت إلى ساحة مفتوحة للتكهنات والشكوك والغضب، ورغم أن الإعلان الرسمي قدّم هذه الخطوة بوصفها الفصل الأخير في مراجعة القضية، إلا أن قلة قليلة فقط تعتقد أن القصة اقتربت من نهايتها، فعلى العكس، يبدو أن الفضيحة دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا، تجعل من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، إغلاقها نهائيًا.
كشف بلا إجابات حاسمة
أعاد التقرير النهائي لوزارة العدل تسليط الضوء على شبكة العلاقات الواسعة التي ربطت إبستين بنخب سياسية واقتصادية واجتماعية، لكنه فشل في تقديم إجابات شافية عن الأسئلة الجوهرية التي لاحقت القضية لسنوات، فمن استفاد فعليًا من شبكة الاتجار؟ ومن حُمي من المساءلة؟ ولماذا لم تُستكمل التحقيقات إلى نهاياتها القانونية؟ هذه الفجوات المعرفية أبقت الفضيحة مشتعلة، ورسّخت شعورًا عامًا بأن الحقيقة ما زالت ناقصة.
دائرة الانفجار تتسع
أحد أبرز أسباب استمرار القضية هو اتساع نطاق تداعياتها، فقد دفع بعض شركاء إبستين ثمنًا حقيقيًا على مستوى السمعة والمكانة المهنية، بعد الكشف عن معلومات جديدة، مثل الوسيط البريطاني بيتر ماندلسون، والأميرة النرويجية ميت ماريت، والطبيب المعروف بيتر أتيا.
وفي المقابل، لم تواجه شخصيات أخرى معروفة، مثل إيلون ماسك ووزير التجارة الأمريكي هوارد لوتنيك، سوى تداعيات محدودة، رغم تناقض رسائل البريد الإلكتروني مع نفيهم السابق لأي علاقة بإبستين بعد إدانته عام 2008.
هذا التفاوت في العواقب غذّى سرديات متناقضة، وجعل القضية تُستخدم كحرب بالوكالة بين أنصار أطراف سياسية مختلفة، حيث تُوجَّه اتهامات تتجاوز الأدلة المتاحة، وتربط الفضيحة بأسماء رؤساء حاليين وسابقين، دون حسم قضائي واضح.
فجوة عميقة بين الحكومة والرأي العام
قدّمت وزارة العدل إصدار الوثائق على أنه نهاية مراجعتها للقضية، دون الإشارة إلى ملاحقات قضائية إضافية محتملة، وهو موقف أثار موجة غضب واسعة، فقد اتهم ديمقراطيون الوزارة بحجب ما يصل إلى 50% من الملفات، وتجاوز الموعد القانوني النهائي للإفراج عنها.
كما عبّر ضحايا عن صدمتهم من الكشف عن أسماء عشرات الناجين وصور حساسة غير منقحة، في حين رأى منتقدون أن عمليات التنقيح الواسعة حمت شخصيات نافذة من التدقيق العام.
أرشيف ضخم يغذّي المؤامرات
الحجم الهائل لأرشيف إبستين، الذي يضم ملايين الصفحات من رسائل البريد الإلكتروني وجهات الاتصال والتقويمات والتسجيلات، يضمن تدفقًا مستمرًا من القصص الجديدة، فبعض هذه الوثائق كشف مصادفات مثيرة، مثل لقاء إبستين بمؤسس موقع 4chan في فترة إطلاق منتدى pol، الذي ارتبط لاحقًا بحركات يمينية متطرفة، ورغم غياب أي دليل مباشر على التأثير، إلا أن هذه المصادفات أشعلت موجات جديدة من نظريات المؤامرة.
كما تحتوي تقارير مكتب التحقيقات الفيدرالي ومراسلات داخلية على ادعاءات غير مؤكدة حول علاقات محتملة بأجهزة استخبارات أجنبية، وهي مواد لا ترقى إلى مستوى الإثبات، لكنها كافية لإدامة الشكوك.
بيئة معلومات مضللة
تُستهلك ملفات إبستين اليوم في بيئة معلوماتية تفتقر إلى السياق والمعايير القانونية، حيث بات "الإدانة بالارتباط" رد الفعل الافتراضي، وزاد الذكاء الاصطناعي من تعقيد المشهد، مع انتشار رسائل مزيفة، ولقطات شاشة معدّلة، وصور مولّدة آليًا تختلط بالوثائق الأصلية، ما أربك حتى الصحفيين المحترفين، مثل الجدل الذي أُثير حول حضور المخرجة ميرا ناير مناسبة في منزل غيسلين ماكسويل، والذي تطوّر إلى صور مزيفة تربط ابنها زورًا بإبستين.
إبستين… رمز لانعدام الثقة
بالنسبة لكثيرين، لم تعد قضية إبستين مجرد ملف جنائي، بل أصبحت رمزًا لفكرة أعمق: أن النخب النافذة تعمل وفق قواعد مختلفة، وأن النظام إما عاجز أو غير راغب في محاسبتها. وتبقى الخطيئة الأصلية للقضية، وهي صفقة الإقرار بالذنب عام 2008 التي جنّبت شركاء محتملين الملاحقة الفيدرالية، مثالًا صارخًا على هذا الخلل.
اقرأ أيضًا:
مصطلحات عليك معرفة معانيها لفهم قضية إبستين













