تعيش كوريا الجنوبية فصلاً سياسياً ليس بجديد، بعدما طالب مدعٍ عام مستقل بإصدار حكم الإعدام بحق الرئيس السابق يون سوك يول، بتهمة قيادة تمرد على الدولة على خلفية فرضه الأحكام العرفية لفترة وجيزة في ديسمبر 2024، ويقبع يون حالياً في السجن بعد إقالته من منصبه في أبريل الماضي، في واحدة من أكثر النهايات صدمة في تاريخ الرئاسة الكورية الجنوبية.
ويواجه يون 8 محاكمات جنائية تتعلق بقضية الأحكام العرفية وفضائح أخرى شابت فترة حكمه، وتُعد تهمة التمرد أخطرها، إذ قد تضعه أمام عقوبة قصوى نادراً ما تُطرح في كوريا الجنوبية المعاصرة.
اتهامات بالانقلاب الذاتي
طالب فريق الادعاء المستقل، بقيادة المحامي تشو إيون سوك، محكمة سيول المركزية بالحكم على يون بالإعدام، واصفين قراره بفرض الأحكام العرفية بأنه "أنشطة معادية للدولة" و"انقلاب ذاتي" هدفه تحييد النظام الدستوري لإطالة أمد حكمه. ويرى الادعاء أن الخطوة لم تكن إجراءً طارئاً مشروعاً، بل محاولة مباشرة للالتفاف على المؤسسات الديمقراطية.
في المقابل، دافع يون عن نفسه داخل قاعة المحكمة، واصفاً التحقيقات بأنها "محمومة" وشابها "التلاعب والتشويه"، وأكد أن قراره جاء بدافع التحذير من خطر سياسي تمثله المعارضة الليبرالية الديمقراطية، التي كانت تستخدم أغلبيتها البرلمانية، حسب قوله، لشلّ عمل الحكومة، وشدد على أن استخدام الصلاحيات الطارئة لا يرقى إلى مستوى التمرد.
حكم مرتقب وسابقة تاريخية
من المتوقع أن تصدر المحكمة حكمها النهائي في فبراير، ويرجح خبراء قانونيون أن يُدان يون بالسجن المؤبد بدلاً من الإعدام، نظراً لأن كوريا الجنوبية لم تنفذ أي حكم إعدام منذ عام 1997، ولأن المحاكم باتت نادراً ما تصدر مثل هذه الأحكام.
ومع ذلك، فإن مجرد المطالبة بإعدامه أعادت إلى الأذهان تاريخاً طويلاً من النهايات الدرامية لرؤساء كوريا الجنوبية، حيث نادراً ما يغادر الرؤساء السلطة بهدوء، ويُعد يون أول رئيس يواجه احتمال الإعدام منذ الحكم على الديكتاتور العسكري السابق تشون دو هوان بالإعدام عام 1996، قبل تخفيف الحكم إلى المؤبد، ثم العفو عنه لاحقاً.
سينغمان ري… أول رئيس ونهاية في المنفى
بدأت سلسلة النهايات المأساوية مع أول رئيس للبلاد، سينغمان ري، الذي قضى نحو ثلاثة عقود من حياته مناضلاً ضد الاحتلال الياباني، وبعد تنصيبه عام 1948، لعب دوراً محورياً في تأسيس الدولة الكورية الجنوبية الحديثة، لكنه سرعان ما تحول إلى حاكم ذي نزعة استبدادية.
فرض ري قوانين لقمع المعارضة، واتُّهم بارتكاب انتهاكات جسيمة، من بينها قتل مدنيين خلال الحرب الكورية، وفي عام 1960، اتهمته المعارضة بتزوير الانتخابات، ما أشعل احتجاجات طلابية دامية أجبرته على الاستقالة، وغادر البلاد إلى هاواي، حيث عاش منفياً حتى وفاته عام 1965.
بارك تشونغ هي… التنمية الاقتصادية والاغتيال
قاد الجنرال بارك تشونغ هي انقلاباً عسكرياً عام 1961، وأصبح لاحقاً رئيساً حكم البلاد 18 عاماً، وخلال عهده، شهدت كوريا الجنوبية نمواً اقتصادياً هائلاً عُرف بمعجزة نهر هان، وبرزت خلالها تكتلات صناعية عملاقة مثل سامسونغ وهيونداي.
غير أن إنجازاته الاقتصادية ترافقت مع قمع سياسي شديد، وفي عام 1972، علّق الدستور ونصّب نفسه رئيساً مدى الحياة، ومع تصاعد الاحتجاجات ضده، انتهى حكمه بشكل مفاجئ عندما اغتاله رئيس جهاز استخباراته وصديقه المقرب كيم جاي كيو خلال حفل عشاء عام 1979.
تشون دو هوان… الديكتاتور الذي حُكم عليه بالإعدام
استولى تشون دو هوان على السلطة عام 1980 بعد انقلاب عسكري، وأشرف على قمع دموي لانتفاضة غوانغجو، التي قُتل أو اختفى خلالها أكثر من 200 متظاهر مؤيد للديمقراطية، وعلى الرغم من تحقيق نمو اقتصادي قوي، ظل تشون رمزاً للحكم العسكري القاسي.
أُدين تشون لاحقاً بالفساد وقيادة انقلاب ومذبحة غوانغجو، وصدر بحقه حكم بالإعدام عام 1996، قبل أن يُخفف إلى السجن المؤبد ثم يُعفى عنه عام 1997.
روه مو هيون… نهاية مأساوية لرئيس شعبي
جاء روه مو هيون من خلفية متواضعة، وشق طريقه إلى الرئاسة عام 2002 كمرشح مفاجئ، وبعد انتهاء ولايته، واجه تحقيقات في قضايا فساد تتعلق بتلقي رشاوى بملايين الدولارات.
وفي عام 2009، أقدم روه على الانتحار بينما كانت التحقيقات تقترب منه، في حادثة هزّت البلاد. وبعد وفاته، تحسنت صورته العامة بشكل كبير، وأصبح يُنظر إليه كأحد أكثر الرؤساء شعبية في تاريخ كوريا الجنوبية.
لي ميونغ باك وبارك غيون هي… السجن بعد القصر
لم تكن نهايات الرؤساء المدنيين أقل قسوة، فقد أُدين لي ميونغ باك، الرئيس التنفيذي السابق لشركة هيونداي، بتهم فساد ورشوة، وحُكم عليه بالسجن 15 عاماً، أما خليفته بارك غيون هي، أول امرأة تتولى الرئاسة وابنة بارك تشونغ هي، فقد أُقيلت وسُجنت 22 عاماً بسبب فضيحة فساد تورطت فيها مقربة منها.
ورغم صدور عفو لاحق عن كليهما، فإن سجنهما رسّخ صورة الرئاسة في كوريا الجنوبية كمنصب محفوف بالمخاطر.
الرئاسة الكورية… سلطة بلا حصانة
تكشف هذه المسيرة المتكررة من العزل، والاغتيال، والسجن، والانتحار، أن الرئاسة في كوريا الجنوبية لا توفر حصانة دائمة، بل قد تكون بوابة لنهايات سياسية وشخصية قاسية.
ومع اقتراب صدور الحكم بحق يون سوك يول، يبدو أن تاريخ "النهايات الدرامية" للرؤساء الكوريين لا يزال مفتوحاً على فصل جديد، يعكس طبيعة النظام الديمقراطي الصارم الذي لا يتسامح، في كثير من الأحيان، مع من يتجاوز حدوده.
يمكنك أن تقرأ أيضًا:
رحلة بلورة النظام الإيراني.. محطات سياسية فارقة














