يختزل تاريخ غرينلاند مسيرة إنسانية استثنائية بدأت قبل أربعة آلاف عام، حيث صمدت شعوب "الإنويت" أمام أقسى الظروف المناخية في أكبر جزيرة بالعالم، بينما تحولت اليوم إلى بؤرة للصراع الجيوسياسي ومطامع القوى العظمى.
وتكشف الوثائق التاريخية أن هذه الأرض، التي تغطي الثلوج معظم مساحتها، لم تكن مجرد مسرح لموجات الهجرة المتعاقبة، بل كانت مختبرًا لصراعات الهوية والسيادة بين شعوب القطب والمستعمرين القادمين من الشمال الأوروبي.
وتمثل القصة المعاصرة لهذه الجزيرة امتدادًا لسجل حافل من التحديات، إذ انتقلت من حقبة "الفايكنغ" الغامضة وصولًا إلى الجدل المثار حاليًا حول رغبة الولايات المتحدة في الاستحواذ عليها.
وفي هذا السياق، يتداخل التراث الثقافي الغني مع الأهمية الاستراتيجية المتزايدة، مما يجعل من فهم الماضي ضرورة حتمية لإدراك مآلات الصراع المستقبلي على مواردها الطبيعية وموقعها الفريد.
فجر الاستيطان في غرينلاند
بدأت الحكاية الإنسانية فوق هذه التربة المتجمدة حوالي عام 2500 قبل الميلاد، عندما عبرت شعوب "باليو-إنويت" الجسور الجليدية القادمة من أمريكا الشمالية.
وتؤكد الحفريات الأثرية أن ثقافة "إندبندنس" كانت السباقة في استيطان السواحل الشمالية، حيث اعتمد أولئك الصيادون الأوائل على صيد ثيران المسك والفقمات للبقاء على قيد الحياة، قبل أن تندثر آثارهم بحلول عام 1730 قبل الميلاد نتيجة التغيرات المناخية القاسية التي جعلت الحياة مستحيلة.
وتشير السجلات التاريخية إلى وصول موجة ثانية عُرفت بثقافة "ساكاك" في عام 2400 قبل الميلاد، وهي المجموعة التي سجلت أطول فترة استيطان متواصل في الجزيرة.
وتمكنت هذه الجماعات من تطوير أدوات صيد متقدمة مكنتها من استغلال التنوع البيولوجي البحري والبري، إلا أن الدراسات الجينية الحديثة أثبتت مفاجأة علمية كبرى؛ وهي أن شعب "ساكاك" ينحدر جينيًا من جزر ألوتيان ولا تربطه علاقة قرابة مباشرة بشعوب "الإنويت" المعاصرين، مما يضفي مزيدًا من الغموض على هذا الفصل من تاريخ غرينلاند.
وتتابعت الهجرات وصولاً إلى ثقافة "دورست" التي ظهرت حوالي عام 800 قبل الميلاد، والتي ينسب إليها الفضل في ابتكار "الأولو" ، وهي سكين المرأة المقوسة التي لا تزال رمزًا ثقافيًا حيًا حتى يومنا هذا.
وبرع سكان هذه الحقبة في بناء منازل الجليد "الإيغلو" واستخدام الزحافات، مما يعكس قدرة بشرية فذة على التكيف، قبل أن يفسحوا المجال لوصول شعوب "الثول" في عام 1200 ميلادي، وهم الأجداد المباشرون للغرينلانديين الحاليين الذين استوطنوا كافة سواحل الجزيرة شرقًا وغربًا.
لغز الفايكنغ في صفحات تاريخ غرينلاند
انطلق المستكشف النرويجي "إريك الأحمر" في عام 982 ميلادي من آيسلندا نحو المجهول، ليضع حجر الأساس للوجود الأوروبي الأول في المنطقة.
وتقول الأساطير الإسكندنافية إن إريك اختار اسم "غرينلاند" (الأرض الخضراء) كنوع من الدعاية الذكية لجذب المستوطنين نحو الوديان الجنوبية، وبالفعل نجح في تأسيس مجتمع زراعي ورعوي ازدهر لقرون تحت سيادة التاج النرويجي، تاركًا خلفه أطلالًا لا تزال قائمة في مناطق مثل "نوك" و"هوالسي".
وتلاشت آثار المستوطنين النورديين بشكل غامض بحلول عام 1500 ميلادي، مما فتح الباب أمام نظريات شتى حول أسباب هذا الاختفاء المفاجئ.
ويرجح المؤرخون أن تزامن "العصر الجليدي الصغير" مع انقطاع طرق التجارة مع أوروبا ونشوب نزاعات مع شعوب "الثول" أدى إلى انهيار المستعمرات النوردية، تاركة خلفها كنائس مهجورة ومزارع غطاها الصقيع، لتصبح قصتهم واحدة من أكثر الألغاز إثارة في السير التاريخية للقطب الشمالي.
واستمرت فترة الانقطاع حتى عام 1721، عندما قرر المبشر النرويجي-الدنماركي "هانز إيدي" الإبحار بحثًا عن أحفاد الفايكنغ الضائعين.
ورغم فشله في العثور على أي ناجٍ نوردِي، إلا أنه نجح في تحويل سكان الجزيرة من "الإنويت" إلى المسيحية اللوثرية، مؤذنًا ببدء العصر الاستعماري الدنماركي، حيث أصبحت الجزيرة تدريجيًا جزءًا لا يتجزأ من الطموحات السياسية والاقتصادية لمملكة دنمارك-النرويج، وهو ما شكل منعطفًا جذريًا في الهوية الثقافية للسكان الأصليين.
التحولات الجيوسياسية في عصرنا الحديث
انتقلت تبعية الجزيرة بالكامل إلى الدنمارك في عام 1814 بعد انفصالها عن النرويج، لتبدأ مرحلة من الإدارة "الأبوية" التي استهدفت جعل المستعمرة مربحة اقتصاديًا.
ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية واحتلال ألمانيا للدنمارك في عام 1940، برزت الأهمية الاستراتيجية للجزيرة بالنسبة للولايات المتحدة، حيث وقع السفير الدنماركي في واشنطن اتفاقًا منفردًا يمنح القوات الأمريكية حق إقامة قواعد عسكرية، مما جعل من غرينلاند "حجر زاوية" في الدفاع عن أمريكا الشمالية ومراقبة التحركات السوفيتية خلال الحرب الباردة.
وتعززت هذه المكانة العسكرية عبر قاعدة "ثول" الجوية ومنظومات الرادار المتقدمة، وهو ما منح الدنمارك ما يعرف بـ "ورقة غرينلاند" في علاقاتها مع حلف الناتو وواشنطن.
وفي عام 1953، طرأ تحول دستوري كبير حين ألغت الدنمارك وضع "المستعمرة" لتصبح الجزيرة "مقاطعة" تابعة للمملكة، تلاه الحصول على الحكم الذاتي في عام 1979، وصولًا إلى قانون الحكم الذاتي الموسع في عام 2009 الذي منح السكان حق تقرير المصير والسيطرة على مواردهم، مع بقاء الدفاع والخارجية تحت مظلة كوبنهاغن.
بيد أن العقد الأخير شهد فصلًا غير مسبوق من التوتر، حين كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن طموحاته لشراء الجزيرة، معتبرًا إياها "صفقة عقارية كبرى" تهدف لتأمين المعادن النادرة ومواجهة التمدد الروسي والصيني في القطب الشمالي.
وتسبب هذا العرض في أزمة دبلوماسية حادة، حيث رفضت القيادات السياسية في "نوك" وكوبنهاغن الفكرة جملة وتفصيلًا، مؤكدين أن غرينلاند ليست للبيع وأن مستقبلها يحدده شعبها فقط، رغم التحديات الاقتصادية والاعتماد على المنحة الدنماركية السنوية البالغة 600 مليون دولار.
السيادة بالمستقبل في ضوء تاريخ غرينلاند
يواجه الشعب الغرينلاندي، الذي لا يتجاوز عدده 56 ألف نسمة، معضلة كبرى بين الرغبة العارمة في الاستقلال الكامل والحاجة الماسة للاستقرار الاقتصادي.
وتظهر استطلاعات الرأي أن الأغلبية الساحقة تدعم الانفصال عن الدنمارك، لكنها تخشى في الوقت نفسه من انهيار منظومة الرفاه الاجتماعي في حال توقف الدعم المالي الدنماركي، خاصة في ظل الظروف المناخية الصعبة التي تجعل تكلفة المعيشة والخدمات باهظة للغاية في هذه البقاع النائية.
وتمارس القوى الدولية ضغوطًا ناعمة عبر الاستثمارات والبعثات العلمية، بينما تحاول الولايات المتحدة مؤخرًا كسب "القلوب والعقول" من خلال زيادة الدعم المباشر والتعاون الثقافي.
ومع ذلك، لا تزال التقارير حول وجود "قوائم تصنيف" للشخصيات المؤيدة والمعارضة للنفوذ الأمريكي تثير قلقًا بالغًا في الأوساط السياسية، مما يعيد للأذهان المخاوف من عودة الحقبة الاستعمارية ولكن بثوب جديد، يتجاهل حق الشعوب في إدارة شؤونها بعيدًا عن صراعات القوة.














