وسط تصاعد التوترات بين واشنطن وكاراكاس، بدا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين متحفظًا بشكل ملحوظ بعد العملية العسكرية الأمريكية التي استهدفت اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. صمت موسكو، على الرغم من روابطها الاستراتيجية الطويلة مع فنزويلا، أثار تساؤلات حول قدرة روسيا على مواجهة المغامرات الأمريكية المباشرة في نصف الكرة الغربي.
وفي مايو الماضي، استقبل بوتين مادورو في قصر الكرملين الكبير، في مناسبة رسمية تزامنت مع الاحتفالات بذكرى الانتصار السوفيتي على ألمانيا النازية. وركّز اللقاء الذي حضره وزير الخارجية سيرغي لافروف، على تعزيز الشراكة الثنائية، وأُبرمت خلاله معاهدة تعاون استراتيجي بين البلدين. إلا أن الإجراءات الأمريكية اللاحقة أثبتت محدودية هذه الشراكة أمام إرادة واشنطن السياسية والعسكرية.
على المستوى الدبلوماسي، سارعت روسيا إلى إدانة الغارة الأمريكية، حيث عبّر لافروف خلال مكالمة مع نائبة الرئيس الفنزويلي ديلسي رودريغيز عن "تضامن موسكو القوي مع الشعب الفنزويلي ضد العدوان المسلح". كما اتهم الممثل الروسي لدى الأمم المتحدة واشنطن بـ"تعزيز سياسات الاستعمار والإمبريالية الجديدة".
رغم ذلك، لم يخرج بوتين بأي تصريح علني أو بيان مباشر بشأن اعتقال مادورو، وهو موقف يختلف عن موقف الرئيس الصيني الذي وصف التحرك الأمريكي بأنه "تنمر أحادي". ولم يعلق أيضًا على حادثة احتجاز سفينة روسية من قبل القوات الأمريكية، ما يترك علامات استفهام حول الخطط الروسية للرد على هذه المغامرات العسكرية.
استفادة بوتين من الأزمة
تأتي هذه الأحداث في سياق سلسلة من الانتكاسات الجيوسياسية لموسكو. ففي ديسمبر 2024، لجأ الرئيس السوري بشار الأسد إلى روسيا بعد انهيار نظامه، بينما شنت الولايات المتحدة ضربات على منشآت نووية في إيران، الدولة الشريكة استراتيجيًا لموسكو. ورغم ذلك، أكدت روسيا أن اتفاقياتها الاستراتيجية مع طهران لا تلزمها بالتدخل عسكريًا في حال التعرض لأي تهديد مباشر.
أما بالنسبة لفنزويلا، فإن دعم موسكو لمادورو عبر اتفاقيات التعاون الاستراتيجي لم يتحوّل إلى رد عسكري فعلي أثناء الغارة الأمريكية، مما شكل إحراجًا للمجمع الصناعي العسكري الروسي الذي زوّد الجيش الفنزويلي بمنظومات دفاع جوي متقدمة، بينها إس-300 وبوك و44 بيتشورا، والتي لم تثبت فعاليتها عمليًا، حسب تصريحات مسؤولين أمريكيين.
إلى جانب ذلك، قد يقدّم صمت بوتين جانبًا إيجابيًا على المستوى الاستراتيجي، إذ يتيح له استغلال السياسة الأمريكية في أمريكا اللاتينية لتبرير تحركات موسكو التوسعية في أوكرانيا، واستغلال أي انقسامات داخل حلف الناتو. تصريحات ترامب حول نواياه في غرينلاند، على سبيل المثال، تعتبر فرصة للكرملين لإبراز ضعف التحالف الغربي وتعزيز خطاب القوة.
وفي سياق داخلي، استعرض بوتين خلال قداس عيد الميلاد الأرثوذكسي الروسي في 7 يناير موقفه من الحرب في أوكرانيا، معتبرًا مهمة الجنود "واجبًا مقدسًا" للدفاع عن الوطن، في رسالة واضحة بأن موسكو ستواصل الاعتماد على القوة كأداة مركزية في السياسة الخارجية. وفي حين يجذب نقل مادورو إلى محكمة نيويورك الانتباه الدولي، يرسل بوتين رسالة واضحة مفادها أن القوة وحدها هي ما يحدد موازين النفوذ، وأن روسيا مستمرة في الدفاع عن مصالحها الاستراتيجية، مهما كانت الانتكاسات والمواقف المحرجة التي تواجهها على الساحة العالمية.
اقرأ أيضًا:
سقوط مادورو يربك موسكو.. لماذا يلتزم الكرملين الصمت؟
كوبا تعاني من تداعيات الضربة الفنزويلية
التفاصيل الكاملة.. كيف اخترقت القوات الأمريكية فنزويلا واعتقلت الرئيس مادورو؟













