مع تصاعد التوترات وتفاقم الأزمات في أمريكا اللاتينية، باتت كوبا، التي لطالما كانت حليفًا استراتيجيًا لفنزويلا، تواجه تهديدات متزايدة من قبل الإدارة الأمريكية. فبينما كان الجيش الأمريكي يستعد لشن ضربات عسكرية على كراكاس، تزايدت المخاوف في هافانا، والتي تم تأكيدها عقب اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، حيث أصبح مستقبل الجزيرة على المحك. ففي هذا السياق، يبدو أن كوبا على أبواب تحدٍ تاريخي قد يغير مسارها السياسي والاقتصادي إلى الأبد.

كوبا وحليفها الاقتصادي

يعد القبض على مادورو تحولًا جوهريًا في مسار الحكومة الشيوعية في كوبا، التي لطالما اعتمدت على الدعم الكبير من حليفتها الغنية بالنفط في أمريكا الجنوبية، لضمان استمرار بقائها. وفي احتجاج حاشد أمام السفارة الأمريكية في هافانا يوم السبت، تعهد الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، في تحدٍ واضح، بأن بلاده لن تسمح بانهيار تحالفها مع فنزويلا دون مقاومة. وقال: "من أجل فنزويلا، وبالطبع من أجل كوبا، نحن على استعداد للتضحية حتى بأرواحنا، ولكن بثمن باهظ".

ومع ذلك، على النقيض من هذه التصريحات، بدا الكوبيون بعد الهجمات الأمريكية، في حالة من الصدمة، بسبب سهولة اختطاف الجيش الأمريكي للرئيس مادورو، دون أي خسائر تذكر في صفوفه. ويبدو أن الهجوم على فنزويلا قد كلف كوبا ثمنًا باهظًا. فقد صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لصحيفة نيويورك بوست يوم السبت قائلاً: "كما تعلمون، فقد العديد من الكوبيين أرواحهم الليلة الماضية. كانوا يحمون مادورو. لم يكن ذلك تصرفًا حكيمًا".

مواجهة عسكرية

في منشور على فيسبوك يوم الأحد، أعلنت الحكومة الكوبية، عن مقتل 32 من مواطنيها، أثناء مشاركتهم في العمليات القتالية لدعم القوات المسلحة الفنزويلية، بناءً على طلب كراكاس، معلنة الحداد الرسمي لمدة يومين. هذه العمليات القتالية تشكل ربما أول مواجهة عسكرية مباشرة منذ عقود بين خصمين قديمين من حقبة الحرب الباردة. وتشير الأحداث إلى ما كان يشتبه به طويلاً، وهو أن حراس مادورو الشخصيين، كانوا في الغالب من الكوبيين. فقد أفاد دبلوماسيون أجانب في كاراكاس لسنوات، أن هؤلاء الحراس كانوا يتحدثون الإسبانية بلكنة كوبية، وأن مادورو، الذي درس في هافانا في شبابه، كان يثق في المستشارين الكوبيين أكثر من ثقته في شعبه.

تداعيات القبض على مادورو

الآن، يهدد القبض على مادورو، تحالفًا دام لعقود، والذي كان بمثابة طوق النجاة لكوبا بعد انهيار حليفها الاقتصادي السابق، الاتحاد السوفيتي. على مدار سنوات، أرسل هوجو تشافيز، ومن بعده مادورو، مليارات الدولارات من النفط إلى كوبا، مقابل تدفق مستمر من المستشارين الكوبيين في مجالات المخابرات والاقتصاد والرعاية الصحية.

ويأتي هذا التصعيد العدائي في أسوأ وقت ممكن بالنسبة للكوبيين، الذين يعانون من انقطاعًا طويلًا للتيار الكهربائي في أجزاء كبيرة من الجزيرة، بسبب النقص المستمر في الكهرباء. وتتزايد أعطال محطات توليد الطاقة القديمة، في ظل نقص الوقود اللازم لتشغيلها. وفي كل نشرة إخبارية حكومية، يظهر مسؤول ليعلن عن الوضع المتدهور في قطاع الطاقة، وكأنه يتحدث عن توقعات الطقس بدلاً من أزمة مستمرة تؤثر على حياة الملايين.

أما نقص الغذاء، الذي كان يتم تدبيره من خلال نظام التقنين الحكومي، فيهدد بدفع ملايين الكوبيين إلى شبح سوء التغذية. وفي خطوة أثارت استياء العديد من المواطنين، نصح أحد المعلقين الحكوميين في ديسمبر الكوبيين عبر التلفزيون الرسمي بالتوقف عن تناول الأرز، مما أثار غضبًا واسعًا. لكن التهديد الفعلي بالتدخل العسكري قد يصبح واقعًا قريبًا، حيث إن إنهاء التحالف مع فنزويلا سيجعل كوبا أكثر عزلة من أي وقت مضى منذ انهيار الاتحاد السوفيتي. في هذا السياق، قد تجد الجزيرة نفسها في مواجهة ضغوط غير مسبوقة، تتسارع مع كل تصعيد أمريكي.

بالنسبة لأنصار تغيير النظام في إدارة ترامب، فإن فرصة القضاء على عدو على بعد 90 ميلاً فقط من الولايات المتحدة، قد تكون مغرية للغاية، وقد ينظر إليها كفرصة استراتيجية لتحقيق هدف طال انتظاره. ومع ذلك، يبقى الأمر غامضًا فيما إذا كانت التهديدات العسكرية وحدها ستكون كافية لإجبار هافانا على الرضوخ للضغوط الأمريكية. من غير الواضح ما إذا كانت هذه الضغوط ستجبر الحكومة الكوبية على اتخاذ خطوات مثل الإفراج عن السجناء السياسيين، أو إجراء انتخابات تعددية، خاصة في ظل تاريخ طويل من مقاومة التدخلات الخارجية.