رغم التحذيرات من تأثير الشاشات على النوم، يجد كثيرون أن مشاهدة التلفاز تساعدهم على الاستغراق فيه سريعًا، حتى أصبح النوم أمام الشاشة عادة شائعة لدى البعض. لكن ما الذي يجعلنا نشعر بالنعاس أمام التلفاز؟ وهل يساعد فعلًا على النوم أم يؤثر في جودته؟

وبحسب تقرير نشرته "santemagazine"، لا يزال التلفزيون جزءًا من روتين النوم لدى كثير من الفرنسيين؛ فوفقًا لبيانات المعهد الوطني للنوم واليقظة، أفاد 27% منهم بأنهم يشاهدون التلفزيون أثناء الخلود إلى النوم، بينما يفعل 16% منهم ذلك بانتظام. لكن في حين أن مشاهدة التلفزيون قد توحي بالنوم بشكل أسرع، فهل يُنصح فعلًا بالنوم أمامه؟ الإجابة أكثر تعقيدًا مما قد يتصوره المرء.

لماذا أغفو باستمرار أثناء مشاهدة التلفاز؟

أولًا، قد لا يكون التلفاز نفسه هو ما يشعرنا بالنعاس، بل الوقت الذي نقضيه في مشاهدته. ويكمن التفسير فيما يسمى "ضغط النوم"، وهو الحاجة إلى النوم التي تتراكم طبيعيًا خلال ساعات الاستيقاظ. فكلما طالت مدة بقائنا مستيقظين، ازداد هذا الضغط، حتى يصبح قويًا بما يكفي للتسبب في النعاس وجعلنا نرغب في النوم.

ويقول الدكتور جوناثان تايب، أخصائي النوم: "في المساء، بعد يوم عمل طويل، وعشاء، وتنويم الأطفال، يزداد ضغط النوم المتراكم منذ الاستيقاظ بشكل ملحوظ، خاصة إذا استيقظت مبكرًا ولم تأخذ قيلولة".

ومع ذلك، عادة ما نستقر في هذا الوقت لمشاهدة التلفاز، وغالبًا ما نغفو سريعًا. لكن التلفاز قد يزيد الشعور بالنعاس في نهاية اليوم لعدة أسباب. فعندما نجلس بشكل مريح أمام الشاشة، يجد الدماغ نفسه في حالة سلبية إلى حد ما؛ إذ لم يعد مضطرًا للتعامل مع مخاوف وقلق وهموم اليوم، بينما ينجذب انتباهه بهدوء إلى ما يحدث على الشاشة، مما قد يعزز النوم.

لكن الأمر لا يحدث دائمًا، إذ يعتمد أيضًا على طبيعة المحتوى الذي نشاهده. ويؤكد أخصائي النوم: "لا يحفز الفيلم الوثائقي الهادئ عن الطبيعة أو البرنامج المريح الدماغ بالطريقة نفسها التي يفعلها فيلم الإثارة أو الحركة أو المسلسل المليء بالتشويق".

وعلى العكس، تبقي بعض أنواع المحتوى، بما تتضمنه من حبكة ومشاعر ومشاهد مؤثرة، الدماغ في حالة يقظة. ويذكرنا الخبير: "لكي ننام، يجب أن يقلل دماغنا مستوى نشاطه تدريجيًا". ولهذا يمكن أن نغفو خلال دقائق أثناء مشاهدة برنامج هادئ، بينما نبقى مستيقظين تمامًا بعد مشاهدة حلقة مشوقة في الوقت نفسه.

ومن الجدير بالذكر أيضًا وجود تباين فردي كبير؛ فبعض الأشخاص أكثر حساسية من غيرهم للصور الصادمة أو محتوى الأفلام. ويضيف طبيب النوم: "يستطيع بعض الناس النوم بسلام أثناء مشاهدة فيلم رعب، بينما لن يتمكن آخرون من النوم لعدة ساعات".

هل من الجيد النوم أمام التلفزيون طوال الوقت؟

بالنسبة للكثير من الفرنسيين، يعد التلفزيون جزءًا أساسيًا من روتينهم قبل النوم، فبدونه يصبح النوم صعبًا للغاية. ومع ذلك، فإن الشعور بالنعاس أمام التلفزيون ليس دائمًا فكرة جيدة.

المأزق الأول هو النوم مبكرًا في المساء على الأريكة. ويوضح أخصائي النوم: "إذا نمت في الساعة الثامنة أو التاسعة مساءً أمام التلفاز واستيقظت بعد ساعة أو ساعتين، فإن بعض ضغط النوم المتراكم خلال النهار يكون قد تبدد. وبالتالي، تشعر بتعب أقل، وتذهب إلى الفراش متأخرًا عن الموعد المحدد، وتواجه صعوبة أكبر في العودة إلى النوم".

وإذا تكرر هذا السيناريو بانتظام، فقد يفاقم صعوبة النوم أو حتى يساهم في الإصابة بالأرق. أما الخطر الثاني، فهو النوم متأخرًا أمام التلفاز الذي يبقى مشغلًا طوال الليل أو معظمه.

فبين تغير شدة إضاءة الشاشة تبعًا للمشاهد، والاختلاف في مستويات الصوت، وفواصل الإعلانات، يتسبب التلفزيون عمومًا في استيقاظات قصيرة قد تضر بجودة النوم. ويمكن للتحفيز الصوتي، على وجه الخصوص، أن ينشط الجهاز العصبي الودي المرتبط باليقظة والاستجابة للتوتر، وبالتالي يصبح النوم أقل فائدة بكثير.

هل تؤثر الأريكة والتلفاز في جودة النوم؟

إذا كان التلفاز في غرفة المعيشة، فإن جودة سطح النوم تصبح عاملًا مهمًا. فالأريكة عمومًا غير مصممة للنوم عليها لساعات طويلة متواصلة؛ إذ قد يكون الوضع غير مريح، والدعم غير كاف أو غير متناسق، كما أن المساحة محدودة. وعلى المدى البعيد، قد يؤدي سطح النوم غير المناسب إلى الألم ومشكلات في الجهاز العضلي الهيكلي. أما إذا كان التلفزيون موجودًا في غرفة النوم، فستظل هناك مشكلة أخرى.

لماذا لا يفضل وضع التلفاز في غرفة النوم؟

من حيث المبدأ، ينبغي ربط السرير بالنوم. وهذا هو مبدأ "التحكم في المحفزات"، وهي تقنية تستخدم بشكل خاص في علاج الأرق. ويشرح الدكتور جوناثان تايب: "الفكرة بسيطة: من خلال تكرار نفس الارتباطات، يتعلم الدماغ أن مكانًا أو موقفًا ما ينبئ بما سيحدث لاحقًا". ويؤكد أن "التحكم في المحفزات يدور تحديدًا حول إعادة ترسيخ ارتباط واضح: السرير هو أولًا وقبل كل شيء مكان نومنا".

وعلى النقيض، إذا شاهد الشخص التلفاز في السرير لمدة ساعة، أو أجاب على الرسائل، أو بقي مستيقظًا لفترات طويلة، فقد يرتبط السرير في ذهنه باليقظة ومختلف أنواع الأنشطة بدلًا من النوم. وباختصار، قد يؤدي وجود التلفاز في غرفة النوم إلى استمرار اضطرابات النوم والأرق أو حتى المساهمة فيها.