قد تبدو سيجارة ما قبل النوم طقسًا مألوفًا لدى كثير من المدخنين، وربما تمنحهم شعورًا مؤقتًا بالراحة بعد يوم طويل، لكن خلف هذه العادة اليومية قصة مختلفة؛ فالنيكوتين منبه للجهاز العصبي المركزي، وقد يؤدي التدخين قبل النوم إلى تأخير الدخول في النوم، وزيادة الاستيقاظ ليلًا، وتقليل مدة النوم العميق.
بالنسبة إلى كثير من المدخنين، لا تكون سيجارة المساء مجرد عادة عابرة، بل جزءًا ثابتًا من الروتين اليومي، بحسب مجلة الصحة الفرنسية "sante magazine".
ما سر الرغبة في سيجارة المساء؟
ويقول الدكتور ديفيد ريتشارد، أخصائي النوم: "بعض المرضى لا يدخنون سوى خمس سجائر في اليوم، لكن سيجارة المساء لها أهمية بالغة بالنسبة لهم"، وتوضح الدكتورة ماغالي غاندولف، المتخصصة في التبغ، أن النيكوتين يسبب إدمانًا قويًا، ويحتاج المدخن إلى جرعته للحفاظ على مستوى معين من التحفيز والشعور بالراحة.
ومع نهاية يوم العمل، قد تزداد الرغبة في التدخين، خصوصًا لدى من اضطروا إلى الامتناع عنه لساعات. وقد تساعد السيجارة على تخفيف العصبية والقلق المرتبطين بأعراض الانسحاب.
ويصف الدكتور ديفيد ريتشارد النيكوتين بأنه منبه "مثل القهوة"، مشيرًا إلى أن التدخين قبل النوم قد يؤخر النوم ويحفز الاستيقاظ الليلي ويقلل النوم العميق الضروري للتعافي.
والنتيجة قد تظهر في صباح اليوم التالي: صعوبة في الاستيقاظ، وإرهاق، وصعوبة في التركيز ونعاس خلال النهار، كما يرتبط النيكوتين بالسيروتونين والميلاتونين، وهما عنصران لهما دور في تنظيم النوم والساعة البيولوجية، ما قد يزيد من اضطراب الإيقاع اليومي.
ولهذا ينصح أخصائي النوم بمحاولة التخلص من سيجارة المساء، وبتدخين آخر سيجارة قبل ساعتين على الأقل من الذهاب إلى الفراش.
ماذا يحدث لجسمك؟
إذا كان الشخص يعاني أصلًا من الأرق، فقد تتحول سيجارة الليل إلى جزء من حلقة يصعب كسرها، ويقول الدكتور ديفيد ريتشارد إن بعض المدخنين المصابين بالأرق قد يشعرون بالحاجة إلى التدخين في منتصف الليل للاسترخاء.
لكن النيكوتين يرفع معدل ضربات القلب وينشط الجهاز العصبي، ما يجعل الاسترخاء والنوم أكثر صعوبة، وهكذا، قد يؤدي التدخين إلى تفاقم المشكلة التي يحاول المدخن التخلص منها.
وحتى الإقلاع قد يؤثر مؤقتًا في النوم، والمفارقة الأخرى أن النوم قد يضطرب عند محاولة الإقلاع عن التدخين، إذ تقول الدكتورة ماغالي غاندولف إن اضطرابات النوم قد تظهر أو تتفاقم بسبب أعراض انسحاب النيكوتين، ومنها الأرق والاستيقاظ الليلي وصعوبة النوم.
وتكون هذه الأعراض أكثر وضوحًا خلال الشهر الأول من الإقلاع، قبل أن تتراجع تدريجيًا وتختفي تمامًا بعد ثلاثة أشهر، وهنا قد يقع المدخن في فخ العودة إلى السيجارة، معتقدًا أنها ستساعده على النوم.
أضرار التدخين قبل النوم
دخان السجائر يهيج الشعب الهوائية والحويصلات الهوائية في الرئتين، وهو ما يقوله الدكتور سفيان أجينا، أخصائي أمراض الرئة: "هذا التهيج يؤدي إلى التهاب المسالك الهوائية، والذي قد يستمر طوال الليل وهذا ينطبق بشكل خاص إذا كنت تدخن قبل النوم مباشرة".
وقد يؤدي ذلك إلى السعال المتكرر وضيق التنفس والاحتقان، كما قد يزيد من مخاطر الإصابة أو تفاقم أمراض الجهاز التنفسي مثل الربو ومرض الانسداد الرئوي المزمن وسرطان الرئة.
كما يمكن أن يزيد التدخين من أعراض انقطاع النفس النومي، وهو اضطراب يسبب انقطاع التنفس في أثناء الليل، ويرتبط بمضاعفات قلبية وعائية، منها مشاكل القلب والسكتة الدماغية.
هل السجائر الإلكترونية أفضل؟
الانتقال إلى السجائر الإلكترونية لا يعني بالضرورة التخلص من مشكلة النوم، فإذا كانت تحتوي على النيكوتين، فإنها قد تؤثر في النوم بالطريقة نفسها، إذ يقول الدكتور ديفيد ريتشارد: "النيكوتين، سواءً من التبغ أو من السجائر الإلكترونية، يُحفز الجهاز العصبي المركزي بنفس الطريقة، مما قد يُعيق عملية النوم".
وقد يلجأ بعض المدخنين إليها ضمن محاولات الإقلاع، لكنها قد تتحول إلى استخدام طويل الأمد، أو إلى استخدام مزدوج يجمع بين السجائر التقليدية والإلكترونية.
نصائح للحصول على نوم هادئ
الإقلاع عن التدخين تحت إشراف أخصائي يظل الخيار الأساسي، ويمكن استخدام بدائل النيكوتين مثل العلكة وأقراص المص واللصقات، وقد تشمل خيارات المساعدة أيضًا الأدوية، مثل بوبروبيون أو فارينيكلين، إلى جانب العلاج السلوكي أو جلسات التنويم الإيحائي.
أما قبل النوم، فيمكن استبدال السيجارة بعادات أكثر هدوءًا، مثل التأمل والتنفس العميق واليوغا، إلى جانب ممارسة النشاط البدني خلال النهار، كما يُنصح بتهوية غرفة النوم والحفاظ على درجة حرارة تقارب 19 درجة مئوية، وتجنب الأطعمة الدهنية مساءً والمنبهات مثل الكافيين بعد الساعة الرابعة مساءً.














