طالما ترددت في أروقة البيوت القديمة عبارات التحذير التقليدية من الجلوس الطويل أمام شاشات التلفاز، حيث كانت الأمهات والجدات يرين في تلك الأجهزة وسيلة لإفساد العقول وإضاعة الوقت، ورغم أن تلك الملاحظات كانت تصدر عن حدس فطري ورغبة في حث الأطفال على الحركة، فإن العلم الحديث جاء بعد عقود طويلة ليؤكد أن ذلك التخوف لم يكن خاليًا من الصحة.
الأمر لم يعد يتوقف عند مجرد التحذير التقليدي من الخمول البدني وأثره السلبي على الصحة العامة أو طول العمر، بل امتد ليرتبط بشكل مباشر بصحة الدماغ وبنيته التشريحية مع التقدم في العمر، إذ تشير نتائج الأبحاث إلى أن الإفراط في مشاهدة الشاشات قد يترك أثرًا انكماشيًا يتجلى في صغر حجم بعض المناطق الدماغية الحيوية، ويكشف البحث العلمي الذي نُشر في مجلة معنية بمرض الزهايمر والخرف، ونقلت تفاصيله منصات علمية متخصصة، عن نتائج استثنائية استندت إلى متابعة دقيقة لأكثر من 1700 شخص على مدار 24 عامًا تقريبًا.
وتكمن أهمية هذه الدراسة في كونها لم تكتفِ بدراسة فكرة الجلوس الممتد فحسب، بل ميزت بين السياقات المختلفة للسلبيات والسلوكيات الخاملة، وأظهرت النتائج أن الجلوس لفترات طويلة أمام التلفاز لا يتساوى في أثره مع الجلوس لنفس المدة خلف مكتب العمل، فالأشخاص الذين تطلبت مهنهم البقاء جالسين لممارسة مهام مثل حل المشكلات، وقراءة البريد الإلكتروني، والتخطيط، أظهروا مؤشرات بدت فيها أدمغتهم أكثر صحة مقارنة بأولئك الذين قضوا أوقات فراغهم في مشاهدة العروض التلفزيونية بشغف وإفراط.
الرجال أكثر تأثرًا بمشاهدة التلفاز
ومن بين أكثر المفاجآت التي أثارت دهشة الفريق العلمي المتخصص من جامعة جنوب كاليفورنيا، كان ذلك التباين الواضح بين الجنسين، فقد لوحظ أن الارتباط بين مشاهدة التلفاز بكثرة وبين صغر حجم مناطق الدماغ المعرضة للزهايمر كان أكثر وضوحًا وقوة لدى الرجال مقارنة بالنساء، ويرجح العلماء أن هذا التباين يعود إلى طريقة تقطيع الوقت الخامل أو الفروق البيولوجية في الاستجابة للجلوس المستمر، فالنساء غالبًا ما يقطعن فترات مشاهدتهن بنشاطات حركية خفيفة أو مسؤوليات منزلية ورعاية أسرية، أو يفضلن مقاطع وأعمالًا قصيرة، في حين يميل الرجال إلى متابعة مباريات رياضية أو أفلام طويلة تستدعي الاستلقاء المتواصل دون انقطاع، يضاف إلى ذلك احتمال وجود عوامل هرمونية ونمطية تؤثر على كيفية هرم الدماغ واستجابته للقلة التحرّكية.
واعتمد المشاركون في هذه الدراسة الاستقصائية طويلة الأمد على تقديم بيانات ذاتية حول عاداتهم المتبعة في خريف الخمسينيات من أعمارهم، ليتم لاحقًا إجراء فحوصات دقيقة لأدمغتهم بواسطة التصوير بالرنين المغناطيسي عندما بلغوا منتصف السبعينيات، وركزت الفحوصات التشريحية على رصد القشرة الأمامية والجدارية والقذالية، إضافة إلى قياس حجم فرط كثافة المادة البيضاء، وهي التغيرات التي تعد مؤشرًا رئيسًا على أمراض الأوعية الدموية الدماغية الصغرى المرتبطة بالتراجع المعرفي وخطر الإصابة بالخرف.
وأظهرت المقارنة أن أصحاب الأعمال المكتبية الجالسة سجلوا آفات أقل وحجمًا أكبر في المادة البيضاء مقارنة بالذين أفادوا بمشاهدة التلفاز بكثرة، ما يثبت أن الجلوس ذاته ليس هو المتهم الأول، بل ما يفعله العقل في أثناء هذا الجلوس، وتفسر النظريات المعرفية هذا التباين بأن مشاهدة التلفزيون تُصنف كنشاط سلبي ذهنيًا لا يتطلب مجهودًا تفكيريًا عاليًا، بينما يستلزم العمل المكتبي التفكير المستمر والقراءة والتحليل والتواصل، وهي أنشطة تسهم في بناء ما يُعرف بالاحتياطي المعرفي، هذا الاحتياطي يمنح الدماغ مرونة أكبر للتعامل مع تغيرات التقدم في السن وآفاته.
ومع ذلك، يقر الباحثون بوجود محددات لهذه الدراسة، تتجسد في الاعتماد على التقدير الشخصي للأوقات، وعدم إمكانية إثبات السببية المباشرة بنسبة مطلقة، إلى جانب احتمال تدخل سلوكيات مصاحبة للمشاهدة مثل تناول الوجبات الخفيفة، أو تناول الكحول، أو أخذ قيلولة متكررة أثناء البث.
أفكار لحماية الصحة الذهنية
على الرغم من هذه القيود، فإن المتابعة الممتدة لربع قرن واستخدام الفحوصات الطبية المتقدمة يعطيان النتائج زَخمًا قويًا ودعوة للتفكير العميق، وبناءً على ما تقدم، فإن تحفيز الدماغ عبر أنشطة تتطلب تفاعلاً مثل القراءة، وحل الألغاز، أو المهارات اليدوية قد يخفف من الآثار السلبية للجلوس الممتد، لذا، عند التخطيط لمتابعة برنامج أو مسلسل مفضل، يجدر بنا التفكير في منح العقل استراحات منتظمة وممارسة أنشطة ذهنية بين الفينة والأخرى لضمان بقائه نشطًا وصحيًا على المدى الطويل.














