خلال السنوات العشر الماضية، مرّ الاقتصاد في المملكة بتحول هيكلي واسع النطاق أعاد بناء ملامح المنظومة الاقتصادية، في إطار حزمة من الإصلاحات الشاملة التي استهدفت تقليل الاعتماد على مصدر واحد للتمويل، وتوسيع قاعدة النمو، وتعزيز الاستدامة. وقد أسهم هذا التحول في رفع قدرة الاقتصاد على مواجهة التقلبات، وتقليل حدة تأثره بالدورات الاقتصادية، بما دعم استقرار مسار التنمية على المدى الطويل.
وبحسب تقرير "رؤية السعودية 2030 السنوي لعام 2025"، شملت الإصلاحات الاقتصادية تطوير آليات إدارة المالية العامة، بما عزز كفاءة الإنفاق الحكومي، ورفع مستويات تحصيل الإيرادات غير النفطية، إلى جانب تحسين الأداء المؤسسي ورفع فاعلية إدارة الموارد المالية. وقد انعكس ذلك على تعزيز استمرارية تمويل المشاريع التنموية، وتوسيع نطاق تطوير القطاعات الاقتصادية المختلفة، مع زيادة مرونة الدولة في تنويع مصادر التمويل.
وفي هذا الإطار، تصاعد دور القطاع الخاص بوصفه محركًا رئيسيًا للنمو الاقتصادي، مدفوعًا بالتوسع في الأنشطة غير النفطية، وتنامي الاستثمارات في القطاعات الواعدة ذات القيمة المضافة. كما ساهمت هذه التوجهات في تعزيز فرص التوظيف، ورفع مستويات الإنتاجية، وتحسين جودة الحياة، بالتوازي مع تمكين المواطن من خلال تنمية القطاعات الحيوية. كما لعب صندوق الاستثمارات العامة دوراً محورياً في دعم هذا التحول، عبر إطلاق وتطوير مشاريع استراتيجية في مختلف القطاعات والمناطق، الأمر الذي أسهم في زيادة جاذبية الاقتصاد للاستثمارات المحلية والدولية.
ومنذ عام 2016 وحتى الآن، عزز الاقتصاد السعودي من متانته الهيكلية، مدعومًا بسياسات اقتصادية متوازنة اتسمت بالمرونة، وأسهمت في الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي، مع دعم مسار النمو المستدام. وقد انعكس ذلك في تحقيق مستويات نمو تفوق التوقعات لعام 2025، نتيجة استمرار الزخم في نمو الأنشطة غير النفطية، التي تجاوزت مساهمتها نصف حجم الاقتصاد الكلي.
هذا التحول أسهم في توسيع قاعدة الفرص الاقتصادية، ورفع مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي، إلى جانب انخفاض معدل البطالة بين المواطنين إلى مستويات متدنية بنهاية عام 2025، وهو ما يعكس تحسنًا في كفاءة سوق العمل وقدرته على استيعاب الداخلين الجدد.
وعلى الصعيد الدولي، أشارت مؤسسات مالية وتصنيفات ائتمانية عالمية إلى التحسن الملحوظ في مؤشرات الاقتصاد السعودي، وما نتج عنه من تعزيز قوة المركز المالي للمملكة، وارتفاع قدرتها على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية العالمية، مدعومًا باستمرار مسار الإصلاحات التي جعلت الاقتصاد السعودي ضمن النماذج البارزة في التنويع والتحول الهيكلي.
أداء الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي
سجل الاقتصاد خلال الفترة الممتدة من عام 2016 إلى عام 2025 تبايناً في معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، حيث شهدت بعض السنوات نموًا إيجابيًا مدفوعًا بأداء الأنشطة غير النفطية، مقابل فترات تأثرت فيها النتائج بتراجع في القطاع النفطي أو بتباطؤ اقتصادي عام.
ففي عام 2016 بلغ النمو الإجمالي 1.7%، مع نمو الأنشطة غير النفطية بنسبة 1.8% والنفطية بنسبة 3.8%، بينما تراجع النمو الإجمالي في عام 2017 إلى 1.2% مع تسجيل الأنشطة النفطية انخفاضًا بنسبة 3.0%. وارتفع الأداء في عام 2018 إلى 3.2% للنمو الإجمالي، ثم عاد للتراجع في 2019 إلى 1.7% رغم ارتفاع غير النفطي إلى 4.9% مقابل انخفاض النفط إلى -3.9%.
وفي عام 2020 سجل الاقتصاد انكماشًا عند -3.8% متأثرًا بتراجع الأنشطة النفطية وغير النفطية. ومع التعافي في عام 2021 عاد النمو ليصل إلى 6.5% مدعومًا بارتفاع غير النفطي إلى 10.2%، قبل أن يسجل عام 2022 أعلى مستوى خلال الفترة عند 12% مدفوعًا بنمو قوي في جميع الأنشطة.
وفي عام 2023 تباطأ النمو إلى 0.5% متأثرًا بانخفاض الأنشطة النفطية، ثم تحسن في 2024 ليصل إلى 2.7%، وصولًا إلى عام 2025 الذي سجل نموًا في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 4.5% مع استمرار نمو الأنشطة غير النفطية بنسبة 4.9% والنفطية بنسبة 5.7%.
المؤشرات الاقتصادية الرئيسة لعام 2025
أولاً.. تسارع النمو الاقتصادي
سجل الاقتصاد معدل نمو حقيقي بلغ 4.5% في عام 2025 مقارنة بالعام السابق، مدفوعًا باستمرار توسع الأنشطة غير النفطية وتحسن أدائها.
ثانيًا.. نمو القطاع غير النفطي
حقق القطاع غير النفطي نموًا بنسبة 4.9% في عام 2025 مقارنة بعام 2024، نتيجة استمرار التوسع في الاستثمارات وتنمية القطاعات الإنتاجية غير المرتبطة بالنفط.
ثالثًا.. تحسن مستويات التوظيف
انخفض معدل البطالة بين المواطنين إلى 7.2% بنهاية عام 2025، مقارنة بمستويات أعلى في عام 2016 بلغت 12.3%، في ظل إصلاحات ساهمت في توسع سوق العمل وارتفاع قدرة القطاع الخاص على توليد الوظائف.
رابعًا.. استقرار مستويات التضخم
استقر معدل التضخم عند 2.0% خلال عام 2025، بما يعكس توازنًا في السياسات الاقتصادية واستقرارًا نسبيًا في مستويات الأسعار، الأمر الذي يدعم استدامة النمو الاقتصادي.
توقعات نمو اقتصاد المملكة
أظهرت بيانات حديثة صادرة عن عدد من الجهات الدولية والمحلية استمرار النظرة الإيجابية تجاه أداء الاقتصاد السعودي خلال السنوات المقبلة، حيث تتوقع مؤسسات مالية واقتصادية تسجيل معدلات نمو مستقرة خلال عامي 2026 و2027، مدعومة باستمرار زخم الأنشطة الاقتصادية وتوسع القاعدة الإنتاجية.
ووفقًا لتقديرات صندوق النقد الدولي، من المتوقع أن يحقق الاقتصاد السعودي نموًا بنسبة 4.6% في عام 2026، يليه 4.5% في عام 2027. وفي السياق ذاته، رجّح البنك الدولي تسجيل نمو عند 4.3% في 2026 و4.4% في 2027. كما أشارت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى توقعات بنمو الاقتصاد السعودي بنسبة 4.0% في عام 2026، و3.6% في عام 2027. في المقابل، جاءت تقديرات وزارة المالية أكثر تفاؤلًا، حيث توقعت تحقيق نمو عند 5.6% في 2026 و6.0% في 2027.
وفي سياق متصل، أكدت أحدث تقييمات وكالات التصنيف الائتماني العالمية متانة الجدارة الائتمانية للمملكة العربية السعودية، مع استمرار النظرة المستقبلية المستقرة للاقتصاد. وأبقت وكالة "موديز" على تصنيف المملكة عند مستوى Aa3 مع نظرة مستقبلية مستقرة، فيما ثبتت وكالة "فيتش" التصنيف عند مستوى A+ مع نظرة مستقبلية مستقرة. كما صنفت وكالة "ستاندرد آند بورز" المملكة عند مستوى A-1 / A+ مع نظرة مستقبلية مستقرة.
وتشير هذه التصنيفات إلى قوة المركز المالي للمملكة، وثقة المؤسسات الدولية في استقرار اقتصادها وقدرته على مواجهة التحديات، إلى جانب استمرار مسار الإصلاحات الاقتصادية الداعمة للنمو والاستدامة المالية.
اقرأ أيضًا:
أداء تاريخي للصادرات السعودية غير النفطية خلال 2025
ارتفاع إيرادات الأعمال قصيرة المدى 6% في فبراير 2026
الصادرات غير النفطية تسجل نموًا بـ15.1% في فبراير 2026











