قد تبدأ المعلومة الخاطئة برسالة قصيرة تتداولها النساء على مواقع التواصل الاجتماعي: "مزيل العرق يسبب سرطان الثدي، أو الخزعة تنشر الخلايا السرطانية، أو الامتناع عن السكر يجوع الورم حتى يختفي". هذه الادعاءات، رغم انتشارها، لا تسندها الأدلة العلمية المتاحة، وقد تدفع بعض النساء إلى تأجيل الفحص أو رفض إجراء تشخيصي أو استبدال العلاج الطبي بوصفات غير مثبتة الفاعلية.
وتفصل مؤسسات طبية وبحثية، بينها المعهد الوطني الأمريكي للسرطان ومنظمة الصحة العالمية، بين عوامل الخطر المثبتة والادعاءات الشائعة التي لا تدعمها الأبحاث. وتوضح هذه المؤسسات أن سرطان الثدي ليس مرضًا واحدًا متطابقًا في جميع الحالات، إذ تختلف خصائص الأورام وطرق علاجها، ولا توجد وصفة غذائية أو إجراء منزلي يضمن الوقاية من الإصابة أو الشفاء منها.
مزيل العرق وحمالة الصدر
تربط شائعة متكررة بين استخدام مزيلات العرق، خصوصًا المنتجات المحتوية على الألومنيوم، والإصابة بسرطان الثدي. وتستند بعض الروايات المتداولة إلى افتراض أن امتصاص هذه المواد عبر الجلد، أو استخدامها بعد إزالة شعر الإبط، يسمح بوصولها إلى أنسجة الثدي والتأثير في الخلايا. لكن المعهد الوطني الأمريكي للسرطان يوضح أن الدراسات المتاحة لم تثبت وجود علاقة بين استخدام مزيلات العرق ومضادات التعرق والإصابة بسرطان الثدي، كما لم تجد دراسة شملت 813 امرأة مصابة بالمرض و793 امرأة غير مصابة زيادة في خطر الإصابة مرتبطة باستخدام هذه المنتجات أو حلاقة الإبط.
وتوضح الجمعية الأمريكية للسرطان أن بعض الدراسات الصغيرة أظهرت نتائج متباينة، لكن تصميمها وحجم عيناتها لا يسمحان بإثبات علاقة سببية. ولا يعني ذلك أن كل مكون تجميلي خضع لكل الاختبارات الممكنة، بل إن الأدلة المتاحة لا تثبت أن استخدام مزيلات العرق يزيد خطر الإصابة بسرطان الثدي. وينطبق الأمر نفسه على الاعتقاد بأن حمالات الصدر، وخصوصًا ذات الأسلاك المعدنية، تسبب المرض بسبب الضغط على الثدي أو إعاقة حركة السائل الليمفاوي؛ فالأدلة العلمية المتاحة لا تدعم هذا الادعاء، وفق الجمعية الكندية للسرطان.
وتؤكد وزارة الصحة السعودية، في مواد التوعية بسرطان الثدي، أن استخدام مزيلات العرق وارتداء حمالات الصدر لا يرتبطان، وفق الأدلة المذكورة، بزيادة خطر الإصابة بالمرض.
الخزعة
من أكثر المخاوف التي قد تؤخر تشخيص سرطان الثدي الاعتقاد بأن أخذ عينة من الكتلة يوقظ الخلايا السرطانية أو يدفعها إلى الانتشار في الجسم. لكن الخزعة إجراء تشخيصي يتيح فحص الأنسجة وتحديد ما إذا كانت الكتلة حميدة أم خبيثة، فضلًا عن المساعدة في تحديد خصائص الورم التي تؤثر في اختيار العلاج.
ويوضح المعهد الوطني الأمريكي للسرطان أن احتمال انتشار السرطان نتيجة الخزعة أو الجراحة منخفض للغاية، وأن الأطباء يتبعون إجراءات محددة للحد من مخاطر انتقال الخلايا أثناء أخذ العينات أو إزالة الأورام. كما تؤكد مؤسسة سوزان جي. كومن المتخصصة في سرطان الثدي أن الخزعات الجراحية والخزعات بالإبر لا تسبب انتشار سرطان الثدي في المعتاد، وأن أخذ العينة ضروري لتأكيد التشخيص وتوجيه خطة العلاج.
ولا يعني ذلك أن الإجراءات الطبية خالية من المخاطر في كل الظروف؛ إذ توجد حالات نادرة جدًا يُرصد فيها انتقال خلايا على مسار الإبرة، لكن هذا الاحتمال لا يبرر تجنب الخزعة التي يوصي بها الطبيب. فالامتناع عن أخذ العينة قد يؤخر معرفة طبيعة الكتلة، بينما تساعد نتيجة الفحص النسيجي في تحديد الخطوة العلاجية المناسبة.
السكر لا يجوع الورم
تستند شائعة أن السكر يغذي السرطان إلى حقيقة أن الخلايا السرطانية تستهلك الجلوكوز، لكنها تقفز من هذه المعلومة إلى استنتاج غير مثبت: أن الامتناع عن السكر يحرم الورم من الطاقة ويؤدي إلى انكماشه أو اختفائه.
ويشرح المعهد الوطني الأمريكي للسرطان أن الخلايا السرطانية تستهلك الجلوكوز بمعدلات مرتفعة، لكن الدراسات لم تثبت أن تناول السكر يجعل السرطان يتفاقم، أو أن التوقف عن تناوله يؤدي إلى انكماش الورم أو اختفائه.
ولا يعني ذلك أن الإفراط في السكر لا يضر بالصحة؛ إذ يمكن أن يسهم تناول كميات كبيرة منه في زيادة الوزن، وترتبط السمنة بارتفاع خطر الإصابة بأنواع متعددة من السرطان. لكن تقليل السكر ضمن نظام غذائي متوازن يختلف عن الادعاء بأن الامتناع عنه علاج للورم.
وتنطبق القاعدة نفسها على الأنظمة الغذائية التي تُسوّق باعتبارها قادرة على علاج السرطان، مثل الحميات القلوية أو الكيتونية أو الاعتماد على العصائر وحدها. فبحسب مراجعة المعهد الوطني الأمريكي للسرطان للأنظمة الغذائية والمكملات، لا توجد أدلة تثبت أن نظامًا غذائيًا بعينه أو فيتامينات أو أعشابًا أو مكملات تستطيع إبطاء السرطان أو علاجه أو منع عودته.
وقد تتداخل بعض المكملات والأعشاب مع الأدوية المستخدمة في العلاج، لذلك توصي المؤسسة بإبلاغ الفريق الطبي بأي مستحضر تتناوله المريضة قبل بدء استخدامه. ويمكن أن يساعد الغذاء المتوازن في الحفاظ على الحالة التغذوية خلال العلاج، لكنه لا يحل محل الجراحة أو العلاج الإشعاعي أو الدوائي عندما تكون هذه التدخلات مطلوبة.
غياب التاريخ العائلي لا يعني انعدام الخطر
تعتقد بعض النساء أن سرطان الثدي لا يصيب إلا من لديهن أم أو أخت أو قريبة سبق تشخيصها بالمرض، لكن التاريخ العائلي عامل من عوامل الخطورة، وليس شرطًا للإصابة.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن معظم النساء المصابات بسرطان الثدي لا يُعرف لديهن تاريخ عائلي للإصابة به. وفي المقابل، قد تزيد بعض الطفرات الجينية الموروثة، مثل التغيرات الضارة في جيني BRCA1 وBRCA2، من احتمالات الإصابة، وهو ما قد يستدعي تقييمًا متخصصًا بحسب التاريخ الصحي للعائلة.
كذلك، لا يعني عدم الشعور بالألم أن الكتلة غير خطرة؛ فقد يظهر سرطان الثدي في صورة كتلة غير مؤلمة، أو تغير في حجم الثدي أو شكله، أو انقلاب جديد في الحلمة، أو تغيرات في الجلد، أو إفرازات غير معتادة منها.
سرطان الثدي لا يصيب النساء وحدهن
رغم أن المرض أكثر شيوعًا بين النساء، فإن الاعتقاد بأنه لا يصيب الرجال غير صحيح. وتذكر منظمة الصحة العالمية أن نحو 99% من حالات سرطان الثدي تحدث لدى النساء، مقابل ما بين 0.5% و1% لدى الرجال. وقد يؤدي استبعاد الرجال من الوعي بالمرض إلى تأخر انتباههم إلى أعراض مثل ظهور كتلة أو تغير في الحلمة أو الجلد.
وتوضح وزارة الصحة السعودية، في دليلها التوعوي، أن سرطان الثدي قد يصيب الجنسين، وأن ظهور كتلة لا يعني بالضرورة أنها خبيثة؛ إذ يتطلب تحديد طبيعتها فحصًا طبيًا. وعلى صعيد آخر، قد تدفع المخاوف المرتبطة بالعلاج بعض النساء إلى الاعتقاد بأن تشخيص سرطان الثدي يعني حتمًا استئصال الثدي كاملًا أو الخضوع للعلاج الكيميائي، لكن الخطة العلاجية تتحدد وفق نوع الورم ومرحلته وحجمه وموقعه وخصائصه البيولوجية، إلى جانب الحالة الصحية للمريضة.
مرور خمس سنوات لا يعني الشفاء
من المفاهيم الخاطئة أيضًا الاعتقاد بأن مرور خمس سنوات على تشخيص سرطان الثدي أو انتهاء علاجه يعني الشفاء النهائي، وأن المرض لا يمكن أن يعود بعد هذه المدة. لكن معدل البقاء لخمس سنوات لا يساوي ضمانًا بعدم عودة السرطان؛ فهو مقياس إحصائي يوضح نسبة الأشخاص الذين ظلوا على قيد الحياة خلال خمس سنوات من التشخيص مقارنةً بالسكان عمومًا، ولا يحدد وحده مصير كل مريضة.
ويوضح المعهد الوطني الأمريكي للسرطان أن بعض الأطباء قد يستخدمون تعبير "الشفاء" بعد مرور خمس سنوات أو أكثر من الهدأة الكاملة، لكن ذلك لا يستبعد احتمال بقاء خلايا سرطانية غير مكتشفة قد تنمو لاحقًا.
ويختلف خطر عودة المرض من مريضة إلى أخرى تبعًا لخصائص الورم ومرحلته والعلاجات التي تلقتها. وقد تستمر احتمالات عودة بعض أنواع سرطان الثدي، خصوصًا الأورام الحساسة للهرمونات، بعد مرور خمس سنوات، لذلك يوصي الطبيب باستمرار العلاج الهرموني لفترة أطول لدى بعض المريضات، وفق مستوى الخطورة والفائدة المتوقعة.




