تترقب الأسواق العالمية اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي المقرر في ديسمبر، وسط توقعات بلغت 76% في استطلاعات المتابعة بإقرار زيادة جديدة في أسعار الفائدة لكبح موجة تضخمية مصدرها الأساسي اشتعال أسعار الطاقة بفعل الحرب في الشرق الأوسط.
ويضع هذا التوجه السياسة النقدية أمام مفارقة جوهرية: رفع الفائدة أداة تضغط على الطلب وتكبح السيولة، لكنها لا تحفر بئرًا ولا تضيف برميل نفط واحدًا إلى المعروض العالمي. فما الذي يدفع البنوك المركزية إلى هذا الخيار في مواجهة صدمة وقود واضحة المصدر؟

تكشف بيانات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي لشهر سبتمبر عن المعضلة بوضوح؛ إذ سجل المعدل السنوي العام للتضخم 3.7%، بينما ظل التضخم الأساسي، الذي يستبعد الغذاء والطاقة لتقلب أسعارهما، عند 2.6%. وتكشف تفاصيل الأرقام عن قفزة حادة قادها قطاع الطاقة وحده بنسبة 20.4%، مدفوعة بارتفاع أسعار البنزين بمعدل 34.2%.

وتوصي الأدبيات النقدية عادة بتجاهل القفزات المؤقتة في أسعار الوقود ما دام التضخم الأساسي منضبطًا. لكن الواقع يفرض حسابات مختلفة؛ فالطاقة مدخل أساسي في الشحن والإنتاج وتشغيل المصانع والمتاجر. وإذا تُركت أسعار الوقود ترتفع دون تدخل، فإنها تتسرب سريعًا إلى أسعار بقية السلع والخدمات، فتتحول الزيادة المؤقتة إلى تضخم هيكلي يصعب اقتلاعه.

ولا تسعى البنوك المركزية عبر رفع الفائدة إلى خفض أسعار النفط العالمية، بل إلى حماية اقتصاداتها من "الجولة الثانية" من التضخم، أي حرمان الشركات من تمرير تكاليف الوقود المرتفعة إلى المستهلكين، عبر تبريد النشاط الاقتصادي وتقليص القدرة الشرائية في السوق.

ويحضر في خلفية هذا القرار هاجس تاريخي يعود إلى صدمة النفط في عامي 1973 و1974 وتجربة التضخم في السبعينيات، حين سمح التردد النقدي لغلاء الوقود بالتحول إلى دوامة من ارتفاع الأسعار والأجور أدت إلى ركود تضخمي طويل الأمد. وهذا الخطر نفسه دفع البنك الاحتياطي الأسترالي، في بيانه لشهر نوفمبر، إلى رفع الفائدة إلى 4.85%، محذرًا من خطر "ترسخ توقعات التضخم"؛ فإذا آمن المستهلكون والشركات باستمرار الغلاء، تغيرت سلوكياتهم في التسعير وطلب الأجور، ليتحول التضخم المتوقع إلى واقع يومي حتى لو هدأت أسعار النفط لاحقًا.

ولا يمر هذا العلاج النقدي دون ثمن اقتصادي؛ فالضغط على الطلب يترجم إلى ارتفاع تكاليف الاقتراض الشخصي والتجاري، وتباطؤ في خطط الاستثمار المؤسسي، وضغوط على قطاع الإسكان والتمويل العقاري.

وقد جعل هذا الثمن قرار الفائدة محل انقسام داخل أروقة الفيدرالي نفسه؛ فبعد أن أقر البنك رفعًا بربع نقطة مئوية في سبتمبر، اتجه في اجتماعه المنعقد في 28 أكتوبر إلى تثبيت الفائدة في نطاق 3.75% إلى 4%، لكن القرار لم يمر بإجماع؛ إذ أظهر تصويت لجنة السوق المفتوحة انقسامًا بواقع 10 أصوات مؤيدة مقابل صوتين معارضين، في انعكاس للتباين بين من يخشى خنق النشاط الاقتصادي ومن يرى ضرورة تشديد القبضة لمنع تفلت الأسعار.

ويشير محللون إلى أن التحدي الأكبر أمام صناع السياسة النقدية يكمن في دقة التوقيت؛ فالمبالغة في كبح الاقتصاد قد تقود إلى ركود حاد، بينما قد يترك التساهل توقعات التضخم بلا قيد.

وتدرك البنوك المركزية أنها لا تستطيع ضخ قطرة نفط واحدة في الأسواق العالمية عبر قرارات الفائدة؛ فمعركتها الحقيقية في ديسمبر ليست مع براميل الخام ولا مع مسارات الحرب، بل مع سلوكيات التسعير وتوقعات المستهلكين، في محاولة لمنع نيران الطاقة من إحراق استقرار الاقتصاد بأكمله.