يشهد العالم العربي تحولًا ديموغرافيًا متسارعًا مع ارتفاع أعداد كبار السن، إذ من المتوقع أن تدخل معظم البلدان العربية مرحلة الشيخوخة أو تكون قد أكملتها خلال العقود الثلاثة المقبلة، في تغير كبير مقارنة بما كانت عليه المنطقة قبل عقود عندما كانت تشهد نموًا سكانيًا واسعًا.

وبحسب العدد التاسع من تقرير السكان والتنمية، ارتفع عدد الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 65 عامًا فأكثر في المنطقة العربية بنحو 16 مليون شخص خلال السنوات الخمسين الماضية، بينما تشير التوقعات إلى زيادة تتجاوز 50 مليون شخص خلال العقود الثلاثة المقبلة، ليصل إجمالي كبار السن إلى نحو 71.5 مليون شخص بحلول عام 2050.

انتقال سريع نحو الشيخوخة

بدأت عدة دول عربية بالفعل مرحلة التحول الديموغرافي نحو الشيخوخة، فيما يُتوقع أن تلحق بها معظم دول المنطقة خلال السنوات الـ15 المقبلة. وتستغرق هذه المرحلة في المنطقة العربية، في المتوسط، 36 عامًا، وهي الفترة التي ترتفع خلالها نسبة كبار السن من 7% إلى 14% من إجمالي السكان.

كما تظهر تحديات أخرى مرتبطة بالتحول السكاني؛ ففي 6 دول عربية، لا يجيد ما لا يقل عن شخصين من كل 3 أشخاص من كبار السن القراءة والكتابة. يرتكز نظام رعاية كبار السن على عنصرين مترابطين، هما الحماية الاجتماعية والرعاية طويلة الأجل، إلى جانب توفير مقومات أساسية تشمل السكن الملائم، وخدمات الرعاية الصحية، والتعليم الجيد والمتاح للجميع. وتشير المعطيات إلى وجود فجوات كبيرة في هذه المجالات داخل البلدان العربية، فيما كشفت جائحة كوفيد-19 عن جوانب الضعف التي تواجه كبار السن.

يفرض التحول الديموغرافي على الدول العربية الاستعداد لتغييرات واسعة في سياساتها وأنظمتها، إذ إن عدم الاستعداد قد يؤدي إلى تفاقم أوجه الضعف الاقتصادية والاجتماعية لكبار السن وزيادة تهميش أعداد كبيرة منهم مستقبلًا. لكن الشيخوخة السكانية لا تعني بالضرورة آثارًا اقتصادية سلبية فقط. ووفقًا لصندوق النقد الدولي، يمكن لتحسن الصحة مع التقدم في العمر أن يساهم في زيادة مشاركة كبار السن في سوق العمل، وإطالة سنوات العمل، ورفع الإنتاجية. وأشار الصندوق إلى أن التحدي يتمثل في تبني سياسات تحافظ على صحة كبار السن وقدرتهم على العمل، إلى جانب إجراءات تقلل من جاذبية التقاعد المبكر.

الشيخوخة الصحية تفتح فرصًا اقتصادية

توقع صندوق النقد الدولي تباطؤ نمو سكان العالم من 1.1% سنويًا قبل جائحة كوفيد-19 إلى الصفر بحلول عام 2100، مع ارتفاع متوسط عمر سكان العالم بنحو 11 عامًا بين 2020 ونهاية القرن. كما أظهر مسح شمل 41 اقتصادًا متقدمًا وناشئًا أن الشخص الذي بلغ 70 عامًا في 2022 كان يتمتع في المتوسط بقدرات معرفية مماثلة لشخص يبلغ 53 عامًا في عام 2000، ما يزيد إمكانية استمرار كبار السن في العمل وتحقيق دخل.

ويشير الصندوق إلى أهمية الجمع بين إصلاحات أنظمة التقاعد، والتدريب، وتكييف أماكن العمل، إلى جانب التدخلات الصحية، بما يسمح بزيادة سن التقاعد الفعلي بالتوازي مع ارتفاع متوسط العمر المتوقع. كما شدد على أهمية برامج تطوير المهارات وإعادة التدريب مدى الحياة للحفاظ على قابلية الأفراد للعمل، مع بقاء تأثير الذكاء الاصطناعي في فرص كبار السن في سوق العمل محل بحث، بين احتمالات أن يمثل فرصة أو تهديدًا لهم.