لا يتقدم جميع الأشخاص في العمر بالمعدل نفسه، حتى عندما يتساوى العمر الزمني بينهم. فبعض الأشخاص يحافظون على صحتهم لفترات طويلة، بينما تظهر لدى آخرين تغيرات وأمراض مرتبطة بالتقدم في العمر في وقت أبكر. ويرتبط هذا الاختلاف بعملية بيولوجية معقدة تتداخل فيها التغيرات داخل الجسم مع العوامل الجينية والبيئية ونمط الحياة. في اليوم العالمي لكبار السن الذي يوافق 1 أكتوبر من كل عام، نرصد بعض الأسباب.
العمر الزمني وعلاقته بالشيخوخة
العمر الزمني هو عدد السنوات التي عاشها الإنسان منذ ولادته، لكنه لا يعكس بالضرورة مقدار التغيرات البيولوجية التي حدثت داخل جسمه. فمع التقدم في العمر، تتراكم الأضرار والعيوب في الجزيئات والخلايا، بينما تتراجع تدريجيًا كفاءة آليات إصلاح هذه الأضرار. ولهذا السبب، يستخدم الباحثون مفهوم "العمر البيولوجي" لوصف الاختلافات في الحالة البيولوجية بين الأشخاص الذين قد يتساوون في العمر الزمني. ويمكن أن تظهر هذه الاختلافات قبل الإصابة بأمراض مرتبطة بالعمر بسنوات.
ولقياس هذه التغيرات، طور العلماء ما يُعرف بـ"ساعات الشيخوخة"، وهي أدوات تعتمد على مؤشرات بيولوجية مختلفة لتقدير مدى تقدم العمليات المرتبطة بالشيخوخة. كما طُورت أدوات أخرى لقياس سرعة الشيخوخة نفسها، مثل DunedinPACE، بدلًا من الاكتفاء بتقدير العمر البيولوجي. وتشير أبحاث NIH إلى أن الأشخاص يشيخون بمعدلات مختلفة؛ فبعضهم يظل خاليًا من الأمراض المرتبطة بالعمر حتى العقد التاسع أو العاشر من حياته، بينما تظهر هذه الأمراض لدى آخرين في وقت أبكر. كما يمكن أن تختلف سرعة الشيخوخة بين أعضاء الجسم لدى الشخص نفسه.
الجينات ليست العامل الوحيد
دراسة نُشرت في دورية "Nature Medicine" بحثت في العلاقة بين العوامل البيئية والجينية والشيخوخة والوفاة المبكرة، باستخدام بيانات 492,567 مشاركًا من بنك المملكة المتحدة الحيوي. وأُجريت التحليلات الأساسية على 436,891 مشاركًا من إنجلترا، بينما استُخدمت بيانات مشاركين من اسكتلندا وويلز للتحقق من النماذج. كما استخدم الباحثون بيانات 45,441 شخصًا لديهم معلومات عن البروتينات في الدم لدراسة العمر البيولوجي من خلال ساعة عمر بروتينية.
وفحص الباحثون 164 تعرضًا بيئيًا، ثم أجروا سلسلة من التحليلات لاستبعاد الارتباطات التي قد تكون ناتجة عن عوامل مربكة أو عن وجود أمراض سابقة. وفي النهاية، حددوا 25 تعرضًا ارتبطت بصورة مستقلة بالوفاة والشيخوخة المقاسة من خلال البروتينات.
شملت أبرز العوامل المرتبطة بالشيخوخة والوفاة المبكرة التدخين، النشاط البدني، النوم، الوضع الاجتماعي والاقتصادي، الدخل، العمل، السكن، والعيش مع شريك، إلى جانب بعض العوامل المرتبطة بمراحل مبكرة من الحياة. وكان التدخين الحالي والسكن في مساكن المجالس المحلية والشعور المتكرر بالتعب من بين العوامل التي ظهرت بأكبر ارتباطات ضارة في النماذج، بينما ارتبط الدخل والعمل والنشاط البدني والعيش مع شريك بتأثيرات وقائية أكبر.
لكن هذه النتائج لا تعني أن كل هذه العوامل تسبب الشيخوخة أو الوفاة المبكرة بصورة مباشرة، إذ تؤكد الدراسة أن نتائجها قائمة على الارتباطات، مع وجود احتمالات للالتباس وعوامل أخرى قد تؤثر في النتائج.
عند مقارنة exposome بالمخاطر الجينية، وجد الباحثون أن إضافة المخاطر الجينية المرتبطة بـ22 مرضًا إلى نموذج يعتمد على العمر والجنس زادت القدرة على تفسير التباين في الوفاة بنحو 2–3 نقاط مئوية، بينما أدت إضافة العوامل البيئية الـ25 إلى زيادة قدرها 16–19 نقطة مئوية. لكن الصورة اختلفت باختلاف المرض؛ إذ كان للمخاطر الجينية دور أكبر في بعض أنواع السرطان والخرف، بينما كان exposome أكثر ارتباطًا بأمراض مثل أمراض القلب والرئة والكبد.
في الوقت نفسه، تشير أبحاث NIH إلى أن بعض جوانب عملية الشيخوخة قد تكون قابلة للتأثير. فالنشاط البدني والتغذية الصحية من الإجراءات التي يربطها الباحثون بالحفاظ على الصحة مع التقدم في العمر، بينما لا تزال التدخلات التي تستهدف إبطاء الشيخوخة نفسها قيد الدراسة.
وتقدم تجربة CALERIE مثالًا على ذلك؛ إذ أظهرت أبحاث ممولة من NIH أن خفض السعرات الحرارية على المدى الطويل ارتبط بتباطؤ صغير في بعض مقاييس سرعة الشيخوخة البيولوجية، لكن الباحثين يؤكدون الحاجة إلى دراسات أطول وأكبر لمعرفة ما إذا كان ذلك يترجم إلى فوائد صحية طويلة المدى أو زيادة في العمر.
في النهاية، لا تحدد السنوات التي عاشها الإنسان وحدها مقدار تقدمه في الشيخوخة. فالتغيرات البيولوجية تتأثر بمجموعة واسعة من العوامل، من الجينات إلى البيئة ونمط الحياة، بينما تساعد أدوات قياس العمر البيولوجي وسرعة الشيخوخة الباحثين على فهم هذه الفروق بصورة أدق.




