لا تتوقف اختياراتنا الغذائية على الجوع أو تفضيلاتنا الشخصية فقط، إذ يمكن لعوامل محيطة بنا أن تؤثر بشكل خفي في قرارنا بشأن ما نأكله، ومن بينها الموسيقى التي نستمع إليها أثناء تناول الطعام أو التسوق. وفي دراسة جديدة، بحث علماء في تأثير الموسيقى على الخيارات الغذائية، واكتشفوا أن طبيعة الموسيقى التي يسمعها الأشخاص قد تلعب دورًا في دفعهم نحو اختيار أطعمة صحية أو غير صحية.

وبحسب تقرير نشره موقع Science Alert، تُظهر الأبحاث أن الناس يتوقعون أن يكون مذاق الأطعمة غير الصحية أفضل من البدائل الصحية، كما أن الرسائل الضاغطة التي تحث على اختيار الأطعمة الصحية يمكن أن تأتي بنتائج عكسية في بعض الأحيان، وتؤدي إلى رد فعل نفسي معاكس. وتشير نتائج الدراسة، التي نُشرت في مجلة "npj Science of Food"، إلى أن الموسيقى منخفضة الإثارة يمكن أن تدفع الناس إلى اتخاذ خيارات غذائية صحية أكثر مقارنة بالموسيقى عالية الإثارة.

وقال فريق البحث، بقيادة المؤلفين الأولين المشاركين شوتشنغ كاو وبيهي وين من جامعة ماكاو للعلوم والتقنية في الصين: "تعتبر الموسيقى الخلفية إشارة ذات صلة خاصة، فهي خارجية عن الطعام نفسه، وغالبًا ما تعمل خارج نطاق الوعي المركزي، ويمكن التلاعب بها بسهولة في أماكن المطاعم". وأضاف الباحثون: "حتى الخصائص الصوتية الأساسية يمكن أن تشكل الاستجابات المتعلقة بالغذاء".

نتائج مختلفة لأنواع الموسيقى

يمكن أن يكون لهذه الاستجابات المتعلقة بالغذاء أنواع مختلفة من التأثيرات. وفي أبحاث سابقة، وجد العلماء أن الموسيقى ذات الصوت العالي تؤدي إلى خيارات غذائية غير صحية، ربما لأن الناس تكون لديهم مستويات إثارة مرتفعة بسبب شدة الصوت. وعلى النقيض من ذلك، أدت الموسيقى ذات الصوت المنخفض إلى زيادة مبيعات الأطعمة الصحية، ربما لأن الناس كانوا أكثر استرخاءً مقارنة بحالة الصوت العالي.

ووفقًا لفريق كاو ووين، فهذه ليست سوى بعض الطرق التي يمكن أن تنقل بها إشارات الموسيقى الخلفية معاني مرتبطة بالذوق إلى المستمع، بما يؤثر بشكل خفي في تقييماتنا لخيارات الطعام. وكتب الباحثون: "عندما يُنظر إلى الموسيقى على أنها تتناسب مع خصائص المطبخ، فمن المرجح أن يفضل الأفراد، وبالتالي يختاروا، تلك الخيارات التي تبدو متوافقة مع ذلك الإعداد".

وأضافوا: "تماشيًا مع هذا التفسير للتوافق، وُجد أن الأصوات "الصحية"، التي تتميز بنبرة أعلى، وإيقاع أبطأ، وحجم صوت أقل، وطابع صوتي غير مشوه، ونطق متصل، وتناغم متناغم، توجه الخيارات نحو خيارات صحية أكثر، مقارنة بالأصوات "غير الصحية" التي تُظهر خصائص صوتية معاكسة".

وبعبارة أخرى، يبدو أن الناس يربطون الأكل الصحي بالموسيقى الهادئة، أي الأصوات التي تبعث على الاسترخاء وتكون أبطأ، في حين ترتبط الموسيقى الأكثر إثارة، التي تكون أسرع وربما أكثر حيوية، بالأكل غير الصحي.

4 تجارب لاختبار تأثير الموسيقى

لاختبار فرضيتهم، أجرى الباحثون أربع تجارب، واحدة في كافتيريا جامعية حقيقية في ماكاو، وثلاث تجارب مبنية على سيناريوهات مطاعم محاكاة. وفي تجربة الكافتيريا، التي استمرت ثمانية أيام عمل، تناوبت الكافتيريا بين الأيام التي يتم فيها تشغيل موسيقى منخفضة الإثارة وأخرى عالية الإثارة، بعدما جرى تقييم مستويات الإثارة للأغاني بشكل منفصل في اختبار سابق من جانب مشاركين آخرين.

وفي المجمل، وعلى مدار الأيام الثمانية، تم بيع 911 صنفًا غذائيًا، حيث اختار المشترون مزيدًا من الأصناف الصحية في الأيام التي تم فيها تشغيل موسيقى منخفضة الإثارة. وبلغت نسبة المشتريات الصحية 18.94% في أيام الموسيقى منخفضة الإثارة، مقارنة بـ13.59% من المشتريات في حالة الموسيقى عالية الإثارة.

وفي تجربة منفصلة، نظر المشاركون إلى قائمة طعام غداء صحية، بينما كانوا يستمعون إلى موسيقى الهيب هوب منخفضة الإثارة أو عالية الإثارة. وأبلغ الذين تعرضوا للموسيقى منخفضة الإثارة عن نية أعلى لاستهلاك الطعام مقارنة بالأشخاص الذين استمعوا إلى موسيقى عالية الإثارة، بمتوسط درجات تقييم بلغ 6.08 مقابل 5.56.

وفي تجربة مماثلة تحاكي مطعمًا صحيًا مع موسيقى الجاز في الخلفية، أدى الجاز منخفض الإثارة أيضًا إلى نية أكبر للاستهلاك مقارنة بالجاز عالي الإثارة، بواقع 6.02 مقابل 4.4. وفي محاكاة نهائية لمطعم، تم دمج موسيقى منخفضة الإثارة وأخرى عالية الإثارة مع ضوضاء خلفية. ومرة أخرى، ارتبطت الموسيقى منخفضة الإثارة بنية استهلاك أعلى مقارنة بالموسيقى عالية الإثارة أو الضوضاء الخلفية عند تشغيلها بشكل منفصل، بواقع 5.91 مقابل 5.59 مقابل 5.14.

لماذا ترتبط الموسيقى الهادئة بالطعام الصحي؟

يشير الباحثون إلى أن الموسيقى الهادئة قد توحي للناس بجو أكثر هدوءًا واسترخاءً لتناول الطعام، ما يجعل خيارات الطعام الصحية تبدو أكثر ملاءمة. وفي جميع سيناريوهات المطاعم، أبلغ المشاركون الذين تعرضوا لموسيقى منخفضة الإثارة أيضًا عن مستوى أعلى من "الفهم المتصور"، أي شعور أكبر بأن الموقف الذي قُدم لهم كان منطقيًا ومتناسقًا.

وأوضح الباحثون: "والأهم من ذلك، عندما تكون الإشارات قابلة للتفسير بسهولة، يميل الأفراد إلى تكوين مواقف أكثر إيجابية ونوايا أقوى". وأضافوا: "علاوة على ذلك، فقد ثبت أن هذه التجارب تترجم إلى نتائج سلوكية. وذلك لأن الفهم المتصور يمكن أن يقلل من المقاومة المعرفية، مما يعزز التأثير الإقناعي".

ويقول الفريق إن نتائجهم قد يكون لها تطبيقات عملية في أماكن الضيافة، وتجار التجزئة للأغذية، وحتى التسوق عبر الإنترنت، إذ يمكن لهذه الجهات الترويج للأطعمة الصحية من خلال تنسيق قوائم تشغيل تحتوي على موسيقى منخفضة الإثارة. ويبقى أن نرى ما إذا كان بإمكان الناس الاستفادة من التأثير نفسه أثناء التسوق لشراء البقالة.