رقم واحد على شهادة ميلادك يُفترض أن يلخص كل شيء عنك، غير أن هذا الرقم أعجز من أن يخبرك أن قلبك ربما لا يزال عند الأربعين بينما تجاوزت كليتاك الستين بصمت، إذ يخفي جسدك الواحد داخله أعمارًا متعددة لم يكن أحد يظنها قابلة للقياس حتى وقت قريب.
هذا بالضبط ما تكشفه دراسة نُشرت في مجلة «Nature Medicine»، تقترح أن أثر الزمن لا يترسخ بالقدر نفسه في كل عضو، فالبصمة المجهرية التي تتركها السنوات على الرئة تختلف عن تلك التي تتركها على المعدة أو الدماغ، وهذا التفاوت بالذات هو ما دفع فريقًا بحثيًا بقيادة أندريه رينديرو لابتكار طريقة قد تكشف أي الأعضاء يبدو أكبر سنًا مما يفترضه عمر صاحبه، ويكفي لذلك عينة دم واحدة.
تظل هذه الطريقة بعيدة عن أي مختبر يمكن التوجه إليه اليوم، فهي لا تتتبع عضوًا واحدًا عبر سنوات طويلة لقياس سرعة شيخوخته الفعلية، وكل ما تفعله أنها تقدر إن كان العضو يبدو أكبر أو أصغر بيولوجيًا من عمره الزمني، وهو تقدير يفتح الباب أمام سؤال أعمق عن طبيعة الشيخوخة نفسها.
ساعة نسيجية لكل عضو
انطلق الفريق البحثي، الذي ضم كباحثين مشاركين إرنستو أبيلا وإيفا بوليان ويمين تشنج، من فحص 25712 صورة نسيجية مجهرية أُخذت من 983 متبرعًا متوفى، غطت هذه العينات 40 نوعًا من الأنسجة موزعة على 29 عضوًا، في واحدة من أوسع محاولات رسم خريطة الشيخوخة على مستوى الجسد بأكمله.
وقد دُرب نموذج ذكاء اصطناعي على هذا الكم الهائل من العينات المأخوذة من أشخاص بأعمار متفاوتة، فتعلم النظام مع الوقت التقاط تغيرات بنيوية دقيقة ترتبط بتقدم السن، ونتجت عن هذا التدريب ساعة نسيجية خاصة بكل عضو على حدة، بحيث لو حكمت الساعة بأن نسيج رئة شخص عمره ستون عامًا يشبه نسيجًا أكبر سنًا اعتُبرت تلك الرئة أكبر من عمرها الحقيقي.
وجاءت تقديرات النماذج قريبة من العمر الفعلي للمتبرعين، بفارق لم يتجاوز خمس سنوات في المتوسط.
ولم تكن الأرقام وحدها كل القصة، فالتقديرات عكست ما هو أبعد من مجرد تاريخ ميلاد، إذ حملت الأنسجة التي بدت أكبر سنًا من المتوقع تغيرات بنيوية واضحة وحالات صحية ترتبط عادة بالتقدم في العمر، من انكماش في الأنسجة إلى تصلب يشبه الندبات، مرورًا بفقدان الأوعية الدموية الدقيقة وتراكم الدهون في العضلات الهيكلية وترقق الأعصاب.
ولم يظهر الجسد نمط شيخوخة واحدًا يجمع الجميع تحت سقفه، فبعض الأشخاص حملوا علامات شيخوخة متقدمة في أعضاء عدة دفعة واحدة، بينما اكتفى الزمن عند آخرين بعضو واحد فقط، كالقلب أو الرئة أو المعدة، تاركًا إياه أكبر سنًا بوضوح من بقية الجسم.
من النسيج إلى الدم
يستلزم كشف الأنسجة عن أعمارها الحقيقية عادة إجراءً جراحيًا لأخذ عينة منها، وهذا ما دفع الباحثين للبحث عن طريق أقل توغلًا، فطابقوا تقديرات العمر المستخلصة من صور الأنسجة مع أنماط نشاط جيني رُصدت في عينات دم من المتبرعين أنفسهم، بحثًا عن تغيرات في نشاط الجينات بالدم ترتبط بظهور عضو أكبر سنًا من المتوقع.
ويوضح رينديرو، الباحث الرئيسي في معهد «CeMM» ومعهد لودفيج بولتزمان لطب الشبكات في جامعة فيينا، أن عينة الدم لا تصور العضو مباشرة، إنما «تقدر فجوة عمر العضو من خلال ارتباط تعلمه النموذج». على هذا الأساس طور الفريق نموذجًا ثانيًا يقدر عمر الأعضاء المختلفة اعتمادًا على بيانات الدم وحدها، وجاءت تنبؤاته الأقوى في الشيخوخة العامة للجسم والجهاز الهضمي والطحال.
اختبار على أرض الواقع
يُقاس الفارق بين نموذج نظري ونتيجة قابلة للتصديق باختبار حقيقي، وهذا ما فعله الباحثون حين طبقوا الطريقة على بيانات دم من أشخاص أصحاء وآخرين يعانون ثماني حالات مرضية مختلفة، فمنحت النماذج عمومًا فجوات عمرية أكبر للأعضاء المرتبطة تحديدًا بكل حالة، فيما بدا اتساقًا لافتًا بين التقنية والواقع السريري.
وسجل الدماغ أكبر فجوة عمرية لدى من أصيبوا بجلطة دماغية، بينما حملت المريء والمعدة والأمعاء الدقيقة والقولون فجوات عمرية أكبر لدى مرضى داء كرون، أما في مجموعة مرضى ألزهايمر فانفرد الدماغ وحده بفجوة عمرية مرتفعة بشكل ملحوظ دون بقية الأعضاء.
وتشير هذه التطابقات إلى أن الدم قد يحمل أدلة عما يجري في أعماق الجسم، غير أن ظهور عضو أكبر سنًا لا يعني بالضرورة أن الشيخوخة المتسارعة هي من سببت المرض، فقد يكون المرض نفسه الذي أسرع شيخوخة العضو، أو ربما تطورت العمليتان معًا جنبًا إلى جنب.
اختبارات سابقة وحدود جديدة
لم تكن هذه المحاولة الأولى من نوعها، فطرق سابقة قدرت عمر الأعضاء عبر قياس بروتينات منتشرة في الدم، ووجدت إحدى تلك الدراسات أن امتلاك دماغ يبدو أكبر سنًا يرتبط بمخاطر وفاة أعلى، مع ذلك ظلت اختبارات العمر البيولوجي التجارية المتوفرة حاليًا عرضة لنتائج متباينة بشكل واسع، وهو ما يضع الدراسة الجديدة أمام معيار أعلى للثقة.
ولم تخل الدراسة نفسها من حدود مهمة، فمعظم الأنسجة جُمعت بعد الوفاة، ولم يتابع الباحثون الأشخاص أنفسهم مع تقدمهم في العمر عبر الزمن، واقتصر تقييم الطريقة الدموية أساسًا على أشخاص شُخصت إصابتهم بمرض مسبقًا، ويبقى مجهولًا حتى الآن إن كان الاختبار قادرًا على كشف المرض قبل ظهور أعراضه.
بينما يظل الطريق نحو التطبيق العملي طويلًا، إذ ستحتاج الطريقة إلى دراسات مستقبلية وأداء ثابت عبر مجموعات سكانية مختلفة وموافقات تنظيمية، ويقدر رينديرو أن الوصول للاستخدام السريري سيستغرق واقعيًا «سنوات عدة، وربما قرابة عقد كامل».














