لم يعد أثر المناخ على النفسية البشرية مقتصرًا على الكوارث الطبيعية الكبرى؛ فقد تركت القباب الحرارية والأمطار الغزيرة والعواصف الشتوية العنيفة أثرها الواضح على عقول الناس وأمزجتهم هذا العام.
ولا عجب في ذلك، إذ كشفت دراسة حديثة أن التغيرات الطفيفة وقصيرة المدى في الطقس يمكن أن تؤثر على الإنسان بدرجة كافية تدفعه للبحث عن علاج نفسي.
تأثير الطقس على الصحة النفسية
وأفاد باحثون أن التقلبات اليومية في درجات الحرارة ومستويات سطوع الشمس ترتبط ارتباطًا مباشرًا بإقبال سكان المملكة المتحدة على طلب رعاية الصحة النفسية من خلال هيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS).
ويؤكد رئيس فريق البحث ريتشارد إلسون، أن أحوال الطقس المعتادة التي نعيشها يوميًا تؤثر على الصحة النفسية وعلى توقيت وكيفية طلب الناس للدعم، وليس فقط حالات الطقس المتطرفة والمفاجئة مثل موجات الحر الشديدة.
وللوصول إلى هذه النتائج، استندت الدراسة إلى تحليل دقيق لبيانات ضخمة شملت أكثر من 4.6 مليون حالة تواصل مع خدمات الصحة النفسية في إنجلترا بين عامي 2014 و2022.
وتنوعت هذه الحالات بين زيارات لغرف الطوارئ والاستعانة بخدمات أطباء الأسرة خارج أوقات العمل الرسمية، بالإضافة إلى المكالمات الهاتفيّة الواردة إلى الخط الاستشاري التابع لهيئة الخدمات الصحية الوطنية (111).
وعند مقارنة هذه السجلات الطبية ببيانات الطقس المرصودة خلال الفترة نفسها، اكتشف الفريق البحثي أن الطلب على الرعاية النفسية يرتفع تدريجيًا مع زيادة درجات الحرارة حتى تصل إلى 18 درجة مئوية، كما لاحظ الباحثون تصاعدًا ملحوظًا في معدلات طلب الدعم خلال الأيام التي تشهد ساعات سطوع شمس أقل.
تصنيف الاضطرابات النفسية
وقد أظهرت سجلات الفحص تفصيلًا لنوعية الاضطرابات المرتبطة بالطقس؛ حيث تبين أن المكالمات الواردة إلى الخط الساخن "NHS 111" كانت مصحوبة بحالات إيذاء النفس أو التسمم الكحولي أو مشاكل النوم، في حين رصد أطباء الأسرة خارج أوقات العمل حالات تتعلق بالقلق والاكتئاب وإيذاء النفس وصعوبات النوم.
بالمثل، استقبلت غرف الطوارئ في المستشفيات أعدادًا متزايدة من الأفراد الذين يعانون من القلق والاكتئاب وإيذاء النفس، فضلاً عن حالات السكر والتسمم الكحولي.
ومن المثير للاهتمام في هذه النتائج أن هطول الأمطار لم يظهر له أي تأثير ثابت أو مستمر على طبيعة المكالمات النفسية، وهو ما يوضح أن أنماطًا طقسية معينة بذاتها تؤثر في نفسية البشر وعقولهم بشكل أعمق من مجرد الظروف الجوية العامة المتقلبة.
رؤية مستقبلية
تفتح هذه المؤشرات آفاقًا جديدة لكيفية إدارة الأزمات الصحية؛ حيث يرى الباحثون أن فهم العوامل والظروف البيئية التي تحرك التقلبات في حجم الطلب على رعاية الصحة النفسية يمثل اليوم أولوية قصوى ومهمة للصحة العامة.
ومن شأن هذا الفهم العميق أن يدعم بقوة جهود التخطيط الاستباقي، ويسهم في رفع مستويات استعداد وجاهزية قطاعات الخدمات النفسية، لتمكينها من مواجهة وتلبية الاحتياجات المتزايدة تحت ظلال الظروف المناخية الحالية والمستقبلية.











