يمثل دفع الأطفال لتناول كميات كافية من الخضروات تحديًا تربويًا وصحيًا مستمرًا يشغل بال الكثير من أولياء الأمور، وهو ما يتضح جليًا في النقاشات الدائرة عبر منتديات ومجموعات دعم الوالدين حول اقتصار الوجبات الغذائية لبعض الأطفال على أطعمة محددة.
ويعزى هذا السلوك بنيويًا إلى بدء تفضيل الأطفال للأطعمة الحلوة في مرحلة مبكرة جدًا من حياتهم، حيث يحتوي حتى حليب الأم على سكريات طبيعية تمنحه مذاقًا حلوًا، مما يجعل مرحلة الانتقال إلى الأطعمة الصلبة، مثل البروكلي والسبانخ، تجربة شاقة تتطلب جهدًا كبيرًا.
مع ذلك، فإن حاجة الأطفال ماسة إلى نظام غذائي متنوع يتضمن وفرة من الفواكه والخضروات، نظرًا لأن الأنظمة الغذائية السيئة تؤثر سلبًا على قدراتهم الإدراكية ومستويات تركيزهم وسلوكهم، بل وحتى على أدائهم الدراسي، فضلاً عن ارتباط مشكلة السمنة المتزايدة بين الأطفال بمخاوف صحية طويلة المدى وتراجع في التحصيل التعليمي.
ولحسن الحظ، فقد أسفرت الأبحاث العلمية المستمرة عن حلول مبتكرة واستراتيجيات بسيطة يمكن تطبيقها في البيئة المنزلية لتطوير عادات غذائية صحية ومستدامة.
التعريض المستمر والمنتظم
وتأتي استراتيجية التعريض المستمر والمنتظم في مقدمة هذه الحلول، حيث تؤكد ماريون هيذرينغتون، أستاذة علم النفس الحيوي بجامعة ليدز، أن تقديم أكبر عدد ممكن من أنواع الخضروات المختلفة للصغار بانتظام في مرحلة الطفولة المبكرة يمثل عاملاً حاسمًا، وتعتبر سنوات ما قبل المدرسة النافذة الزمنية الأكثر نجاحًا لتعزيز هذا التقبل.
محذرة من أن إغفال زيادة تعريض الأطفال للخضروات بحلول سن الـ5 يجعل المهمة لاحقًا شاقة للغاية رغم أنها ليست مستحيلة، إذ تشير الدراسات إلى أن الأطفال يحتاجون عادةً إلى تكرار تقديم الطعام الجديد لهم لمرات عدة تتراوح بين 5 إلى 15 مرة قبل تقبله.
ومن المثيرة للاهتمام أن الرضع دون سن العام قد يحتاجون إلى مرات تعريض أقل مقارنة بأطفال مرحلة ما قبل المدرسة الذين تظهر لديهم مستويات أعلى من النفور والرهاب من الأطعمة الجديدة، بل إن هذه العملية تبدأ قبل الولادة، حيث ينتقل ما تأكله الأم إلى جنينها عبر السائل السلوي ويساهم في تشكيل تفضيلاته الغذائية المستقبليّة.
من جانب آخر، فإن الطريقة والتوقيت اللذين يقدم بهما الطعام يلعبان دورًا جوهريًا في استجابة الطفل؛ فحين يُخبر الآباء أطفالهم بأن طعامًا ما مفيد لصحتهم قد يؤدي ذلك إلى نتائج عكسية، لأن الأطفال يميلون طبيعيًا إلى اختيار الأطعمة الموصوفة بأنها لذيذة مقارنة بتلك الموصوفة بأنها صحية.
ترتيب مكونات الوجبات
ومن هنا تبرز أهمية تقديم الخضروات في بداية الوجبة عندما يكون الأطفال في ذروة جوعهم، مما يرفع احتمالية استهلاكها ويزيل سلطة المنافسة بينها وبين الأطعمة الأخرى المفضلة لديهم والأعلى في سعراتها الحرارية، كما يساهم هذا النهج أيضًا في حماية الأطفال من الإفراط في تناول الطعام.
ورغم أن الخضروات لا تشكل جزءًا تقليديًا من وجبة الإفطار في الثقافة الغربية، إلا أنه يمكن دمجها صباحًا من خلال إضافتها إلى الأومليت أو الكعك، وقد أثبتت تجربة أُجريت عام 2023 في 8 مراكز لرعاية الأطفال بالمملكة المتحدة أن الأطفال تناولوا الخضروات في وجبة الإفطار بنسبة تتجاوز 60% من المرات التي قُدمت لهم فيها.
ويبرز نهج تعديل نسب وحجم حصص الطعام كبديل فعال في حال تعذر تطبيق الخطوات السابقة، حيث يمكن ببساطة تقليل كمية المكونات عالية السعرات الحرارية لصالح الخضروات سواء بزيادتها كطبق جانبي أو ببشر الجزر والكوسا داخل الصلصات.
وتظهر الأبحاث أن الأشخاص يميلون إلى استهلاك حجم مماثل من الطعام وكميات أكبر من الخضروات عندما يتم تعديل نسب اللحوم لصالح الخضروات في الطبق، إذ تبين أن زيادة كمية الخضروات والفواكه بنسبة 50% في طبق الطفل تزيد من معدل استهلاكه الفعلي لها، كما أن إتاحة فرصة الاختيار بين أنواع متعددة من الخضروات في أوقات الوجبات يدفع أطفال مرحلة ما قبل المدرسة إلى تناول كميات أعلى منها وتقليل الأطعمة غير الصحية.
ويتكامل هذا التأثير مع التلاعب بالمظهر البصري وطريقة التقديم، نظرًا لأن رغبتنا في تناول الطعام تبدأ بالعين وينجذب الأطفال عادةً للأطعمة التي تبدو مألوفة وجذابة بصريًا؛ لذلك تزداد قابليتهم لتناول الأطعمة الجديدة عند تنسيقها بشكل فني ومبتكر في الطبق أو تقطيعها إلى أشكال ممتعة ومثيرة للاهتمام كالفراشات والزهور والدببة.
فضلاً عن أن جعل الطعام الصحي مرئيًا وسهل الوصول إليه كوجبة خفيفة يشجع على استهلاكه، حيث يختار الأطفال الأكبر سنًا خضروات أكثر عند تقديمها في حاوية واحدة مقسمة إلى حصص مسبقًا، كما يرتفع استهلاك أطفال مرحلة ما قبل المدرسة بنسبة 36% عند استخدام أطباق ذات أقسام منفصلة.
المحاكاة السلوكية
علاوة على ذلك، تمثل المحاكاة السلوكية والروابط العائلية ركيزة أساسية في تطبيع السلوك الغذائي للأطفال؛ فالنموذج الذي يقدمه الوالدان يساهم بشكل كبير في صياغة توقعات الطفل، حيث يميل الأطفال إلى تناول الوجبات السريعة أو الخفيفة غير الصحية أو إهمال وجبة الإفطار إذا كان الآباء يمارسون السلوكيات ذاتها.
وعلى العكس من ذلك، أظهرت دراسة مسحية في نيوزيلندا أن أطفال الآباء الذين يتبعون أنظمة غذائية صحية يستهلكون كميات أقل من الكعك والشوكولاتة والموالح، ويستمتعون بتناول المزيد من الفواكه والخضروات بناءً على القدوة بانتظام.
وتتجلى أهمية المحيط الأسري في دلالة المؤشرات البحثية التي تربط بين المواظبة على تناول الوجبات العائلية المشتركة، بمعدل لا يقل عن 3 مرات أسبوعيًا، وبين تمتع الأطفال بوزن جسم مثالي وأنماط غذائية سليمة تزيد من إقبالهم على الأطعمة الصحية.
حيث أكدت دراسة أن الأطفال الذين انتظموا في مشاركة عائلاتهم مائدة الطعام أظهروا مستويات متقدمة من اللياقة البدنية، مصحوبة بتراجع ملحوظ في معدلات استهلاكهم للمشروبات الغازية.
بناء علاقة إيجابية
ويشير الباحثون إلى أن جودة النظام الغذائي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بطبيعة العلاقة النفسية التي تربط الطفل بالطعام، محذرين من أن الضغط الإداري المباشر على الطفل لتناول أطعمة معينة يقلل من استمتاعه بها، تمامًا كما أن استخدام الأطعمة الغنية بالدهون والسكريات كمكافأة يعزز من تفضيلهم لها.
وبدلاً من ذلك، فإن السماح للأطفال باللعب بالطعام واستكشافه يساهم في خفض مستويات الرهاب الغذائي، حيث أظهرت الدراسات أن تشجيع الأطفال على لمس وشم مكونات غير مألوفة كالشمندر والحمص والملفوف الصيني دون إجبارهم على التذوق جعلهم أكثر انفتاحًا وقابلية لتجربتها لاحقًا، كما أن إشراكهم في الطهي زاد من رغبتهم تلك.
ويؤكد الطاهي التجريبي جوزيف يوسف، الذي تعاون في هذا البحث، أن السر يكمن في إعادة صياغة التجربة من خلال تحويلها إلى لعبة والمشاركة في اللعب الحسي، إذ يبدي الأطفال مرونة عالية ورغبة واضحة في اللعب بالطعام والتذوق والتجريب عندما يتواجدون في بيئة مريحة وتلقائية وخالية تمامًا من الضغوط، وهو ما قد يساعد في نهاية المطاف على دفع الطفل لتناول أطعمة صحية متنوعة تتجاوز نطاق الأطعمة الباهتة.













