أصبحت قضية سلامة الغذاء واحدة من أعقد الأزمات التي تهدد الأمن الصحي والاقتصادي على مستوى العالم، لتتجاوز مجرد السلوكيات الفردية، فهي معادلة تبدأ من ممارساتنا اليومية البسيطة وتنتهي بأرقام دولية مرعبة.
وفي هذا السياق، يضع الدكتور مشوح المشوح، المتخصص في علوم الغذاء والتغذية، يده على قلب المشكلة بالتأكيد على أن معظم الأمراض المنقولة عبر الغذاء مصدرها الحقيقي هو المنازل، نتيجة لسلسلة من الممارسات الخاطئة وغير الواعية في طرق الحفظ والطهي والتعامل اليومي مع الأطعمة.
ويرى الدكتور المشوح أن هذا الواقع المقلق يستدعي تحركًا عاجلاً وبأثر فوري لتعزيز الوعي المجتمعي وتأصيل ثقافة السلامة الغذائية كخط دفاع أول لحماية الأسر من مخاطر التسمم.
وأثبتت الإحصاءات الرسمية صحة هذا الطرح العلمي بصورة قاطعة؛ إذ تنطلق نحو 70% من حالات التسمم والعدوى الغذائية من داخل البيوت المفترض أنها الملاذ الآمن.
وتتجسد خطورة هذه الممارسات الخاطئة في البيئة المنزلية وخارجها عند النظر إلى التداعيات البشرية الواسعة للغذاء غير الآمن، حيث يصاب أكثر من 600 مليون شخص سنويًا بالأمراض المنقولة بالغذاء بشكل عام، وهو ما يعني عمليًا أن 1 من بين كل 10 أشخاص في العالم يقع ضحية لتسمم غذائي أو لملوث عابر للغذاء.
ولا تتوقف المأساة عند حدود الوعكات الصحية المؤقتة، بل تمتد لتسفر عن حصاد دامي يقدر بنحو 420 ألف حالة وفاة سنويًا حول العالم بسبب الأغذية الملوثة والأمراض المنقولة عبرها.
ويقع العبء الأكبر لهذه الكارثة الإنسانية على عاتق الفئات الأكثر هشاشة؛ إذ يختطف الموت والتلوث الغذائي 125 ألف طفل سنويًا، لاسيما في البيئات الفقيرة والمجتمعات ذات الاقتصاد المنخفض، حيث تتفاقم لديهم حالات الإسهال الحاد والقاتل نتيجة للتلوث.
وأشارت بيانات حديثة لمنظمة الصحة العالمية إلى إن الأطفال دون سن الخامسة يتحملون وحدهم نحو ثلث الإصابات الكلية بهذه الأمراض، بالرغم من أنهم لا يشكلون سوى 9% فقط من إجمالي سكان العالم.
وتتنوع هذه التهديدات بين ما هو بيولوجي ميكروبي وما هو كيميائي صامت؛ ففي الوقت الذي تتصدر فيه مسببات مثل الفيروسات التي تأتي في المرتبة الأولى في نشر العدوى تليها بكتيريا السالمونيلا وبكتيريا الإي كولاي وبكتيريا الليستيريا التي تلعب دوراً كبيرًا جدًا في الإصابة.
فهذه الميكروبات والطفيليات مجتمعة كانت مسؤولة عن تسجيل نحو 860 مليون حالة إصابة في عام 2021 وحده، ورغم ضخامة هذا الرقم البيولوجي، إلا أن التلوث الكيميائي يظل هو المسؤول الأكبر والأخطر عن حالات الوفاة المرتبطة بالغذاء غير الآمن، حيث كانت المخاطر الكيميائية مسؤولة وحدها عن 73% من إجمالي الوفيات الناجمة عن الأغذية الملوثة في عام 2021.
التلوث الكيميائي
وجاء على رأس هذه المسببات عنصرا الزرنيخ غير العضوي والرصاص، نظرًا لأن التعرض الطويل الأمد لهما يزيد بصورة حادة من احتمالات الإصابة بأمراض القلب والسرطانات، واللذين تسببا معًا في وفاة ما يزيد عن مليون شخص في عام واحد.
كما يمتد هذا الخطر الكيميائي عبر التعرض لعناصر أخرى مثل زئبق الميثيل التي تتسرب عبر المياه الملوثة والمنتجات التي يساء التعامل معها أو عبر السموم التي تدخل سلسلة الغذاء من خلال التلوث البيئي والأنشطة الصناعية، مما يلحق أضرارًا بالأدمغة النامية للأطفال ويورثهم مشاكل عصبية وتنموية يصاحبهم أثرها طوال حياتهم، خاصة وأنه بمجرد دخول هذه السموم إلى الموارد الغذائية يصبح من الصعب أو من المستحيل إزالتها.
وتكشف هذه الأزمة الشاملة عن تفاوت حاد وفجوة عميقة في العدالة الصحية الدولية؛ إذ تتركز المعاناة الإنسانية بشكل كبير في قارتي أفريقيا وجنوب شرق آسيا، اللتين تستأثران وحدهما بنحو 3/4 إجمالي الإصابات العالمية بمرض منقول بالغذاء و60% من إجمالي الوفيات على مستوى العالم.
مما يترجم بوضوح أثر غياب المساواة المستمر في الأنظمة الغذائية، وفرص الحصول على الرعاية الصحية وشبكات الصرف الصحي والتعقيم.
الخسائر الاقتصادية
ولا تتوقف تداعيات هذا الخلل عند المأساة البشرية، بل تتحول إلى نزيف مالي هائل يستنزف القدرات الاقتصادية للدول والمجتمعات؛ حيث تشير التقديرات السنوية العامة إلى أن الخسائر الاقتصادية التي يمكن جمعها تصل إلى أكثر من 90 مليار دولار سنويًا بسبب الإصابات بالأمراض المنقولة بالغذاء.
وتفصّل منظمة الصحة العالمية هذا الأثر الاقتصادي برصد خسائر إنتاجية مباشرة بلغت نحو 310 مليار دولار في عام 2021 وحده نتيجة قضاء الوقت بعيدًا عن العمل بسبب المرض، وهي الكلفة المادية التي تقفز إلى رقم فلكي يناهز 647 مليار دولار عند تعديلها وفقًا لتقديرات القوة الشرائية واختلافات تكلفة المعيشة بين الدول.
وبناءً على هذه الأرقام المتشابكة الصادرة عشية اليوم العالمي لسلامة الغذاء، تتجلى الحقيقة التي أعلنها باحثون والمدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، في أن سلامة الغذاء ليست ترفًا فكريًا، بل واقع حيوي يمس كل وجبة وتتأثر به كل أسرة يوميًا.
الأمر الذي يمثل جرس إنذار وخارطة طريق تلزم الحكومات بتعزيز الرقابة وأنظمة الترصد، ومد جسور التعاون بين قطاعات الصحة والزراعة والبيئة؛ خاصة أن هذه المخاطر باتت تزداد ضراوة وتتحرك صوب الأسوأ تحت وطأة التغير المناخي وصعود ظاهرة مقاومة مضادات الميكروبات التي تجعل علاج الإصابات أمرًا بالغ الصعوبة.














