لا ينعكس الأثر الوقائي لممارسة الرياضة على الجسم فقط كما هو سائد، بل على الدماغ، الذاكرة، والصحة العامة أيضًا، وهو أمرٌ تحدث عنه الكثير من الباحثين مؤخرًا، ولكن الجديد هو أننا لسنا بحاجة إلى القيام بتمارين رياضية مكثفة لنرى العائد منها.
كشفت أبحاث حديثة أن الزيادات الطفيفة في النشاط البدني يمكن أن يكون لها تأثير قوي على الصحة وطول العمر، فخمس دقائق فقط من النشاط المعتدل يوميًا كالمشي السريع أو ركوب الدراجات أو صعود الدرج كفيلة بمنع وفاة حالة واحدة من بين كل عشر حالات مبكرة، مما قد يُساعد ملايين الأفراد على العيش لفترة أطول.
لكن هذا لا يعني أن ممارسة الرياضة لمدة خمس دقائق فقط كافية لضمان الصحة البشرية، إلا أنه مؤشر على أن هذه الزيادة الطفيفة في النشاط البدني، قد تُحسّن الصحة العامة مقارنةً بعدم ممارسة أي نشاط، بينما يكون تأثير تلك الفترة القصيرة أقل بالنسبة للأشخاص النشطين أو ذوي اللياقة البدنية الجيدة.
فوائد خمس دقائق من الحركة
وفقاً لدراسة موسعة نُشرت في مجلة "ذا لانست" الطبية، فإن إضافة خمس دقائق فقط من التمارين المعتدلة إلى عالية الكثافة يوميًا يمكن أن تمنع حوالي 10% من الوفيات المبكرة عالميًا، ما يصحح الفكرة الشائعة بأن الحصول على قدر كافٍ من الفوائد الصحية للرياضة يتطلب ممارسة تمارين شاقة وطويلة.
وتتضاعف هذه الفائدة وتصبح أكثر وضوحًا عند النظر إلى الفئات الأقل نشاطًا؛ إذ تبين أن حث الفئة الأكثر خمولًا والتي تمثل الـ 20% الأقل نشاطًا من السكان على إضافة خمس دقائق فقط من المشي السريع يوميًا كفيل بتقليل الوفيات في صفوفهم بنسبة 6%.
وفي دراسات متصلة تدعم هذا التوجه، أبرزها الأبحاث الصادرة عن جامعتي كوليدج لندن وسيدني؛ وجد العلماء أن إضافة خمس دقائق فقط من التمارين التي ترفع معدل ضربات القلب يوميًا تلعب دورًا ملموسًا في خفض ضغط الدم المرتفع الذي يصيب 1.28 مليار شخص عالميًا ويعد السبب الرئيسي للموت المبكر.
كما وجدت إحدى الدراسات التي اعتمدت على عدد الخطوات أن المشي من 2517 إلى 2735 خطوة يوميًا يقلل من خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية بنسبة 11% مقارنةً بالمشي 2000 خطوة فقط. كما ربطت أبحاث موازية من جامعة جونز هوبكنز زيادة النشاط بمعدل خمس دقائق يوميًا بخفض مخاطر الإصابة بمرض الخرف لدى كبار السن بنسب تصل إلى 41%.
تفاصيل الدراسة العلمية
لم تعتمد هذه الدراسة على استبيانات التقييم الذاتي التي يقوم بتعبئتها المشاركون بأنفسهم والتي غالبًا ما تكون معرضة للأخطاء والمبالغة، بل استندت إلى بيانات دقيقة تم قياسها عبر أجهزة تتبع الحركة القابلة للارتداء.
وقام فريق البحث، بقيادة المدرسة النرويجية لعلوم الرياضة بمشاركة باحثين من معهد كارولينسكا السويدي من بينهم الباحثتان ماريا هاغسترومر وإنغ ماري دورن، بتحليل بيانات صحية وحركية مأخوذة من قاعدة بيانات ضخمة تضم من 100 إلى 135 ألف شخص بالغ من عدة دول.
وبعد تحليل ومعالجة هذه الأرقام وضبط العوامل المؤثرة الأخرى مثل: السن، والجنس، ومؤشر كتلة الجسم، والتدخين، والحالة الصحية العامة؛ توصل العلماء إلى تقديرات دقيقة حول حجم الوفيات التي يمكن تجنبها من خلال تعديلات يومية بسيطة في نمط الحياة.
وركزت الدراسة بشكل كبير على أضرار الجلوس الطويل، إذ أكدت البيانات على أن تقليل وقت الجلوس بمقدار 30 دقيقة يوميًا واستبداله بنشاط خفيف يؤدي إلى انخفاض معدل الوفيات بنحو 7%، باستثناء أولئك الذين يتمتعون بنشاط عالٍ بالفعل.
"وجبات التمرين الخفيفة"
هناك ما يُعرف علميًا باسم "وجبات التمرين الخفيفة"، التي تشتمل على فترات قصيرة ومكثفة من النشاط البدني الموزعة على مدار اليوم بدلًا من جلسة تمرين متصلة واحدة، ولا يتطلب هذا المفهوم تغييرات جذرية في أسلوب الحياة أو تخصيص وقت وميزانية للذهاب إلى النوادي الرياضية.
ويمكن تحقيق ذلك عبر أنشطة يومية واقعية ومتاحة للجميع، مثل: صعود أدراج السلالم بدلًا من المصعد، كذلك المشي السريع أثناء التوجه إلى العمل أو التسوق، أو ركوب الدراجة الهوائية لمسافات قريبة، أو القيام ببعض تمارين القرفصاء أثناء انتظار غليان الماء، أيضًا أثناء ممارسة الأعمال المنزلية أو العناية بحديقة المنزل بجهد إضافي يؤدي إلى تسارع التنفس والشعور بالدفء.
ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية، فإن 31% من البالغين و80% من المراهقين حول العالم لا يستوفون المستويات الموصى بها من النشاط البدني والتي تبلغ 150 دقيقة من التمرين المعتدل أسبوعيًا.
وتشير الباحثتان ماريا هاغسترومر وإنغ ماري دورن إلى أن دراستهما تركز على إيجاد "أهداف سلوكية واقعية وقابلة للتحقيق"، مؤكدتين أن الكثير من الناس يجدون تقليل ساعات الجلوس أو إضافة فترات حركة قصيرة أمرًا أكثر مرونة وقابلية للتطبيق من إحداث تغييرات ضخمة وشاملة في نمط حياتهم، فالأمر لا يتطلب الركض في الماراثونات، بل مجرد خطوات صغيرة يومية تصنع فارقًا كبيرًا على مستوى صحة المجتمع ككل.
وتؤكد الحسابات العلمية الموثقة في الدراسة أن التغييرات الصغيرة المتزامنة لها تأثير تراكمي ضخم؛ إذ تبين أن الأشخاص الذين يحصلون على عدد الساعات الطبيعية للنوم، ويمارسون أكبر قدر من التمارين، ويتبعون نظامًا غذائيًا صحيًا، يعيشون لفترات أطول بمعدل 9.35 سنة مقارنة بالأشخاص الذين يعانون من أسوأ عادات نوم وخمول وسوء تغذية، فضلًا عن أنهم يقضون تلك السنوات الإضافية بحال صحية جيدة تسمى المدى الصحي للعمر.













