لطالما كانت فكرة إصابة البشر بعدوى من النباتات وما يترتب عليها من أمراض أو وفيات أو حالات شبيهة بالزومبي حبكة قصصية مثيرة تخدم حكايات الخيال العلمي لعقود.
ولكن عند إخضاع هذه الفكرة للبحث العلمي، نجد أن الإجابة المختصرة والمثيرة للقلق هي نعم، يمكن لهذه الجراثيم أن تنتقل إلى البشر في حالات معينة، إلا أن هذا الأمر نادر الحدوث.
ما هي مسببات الأمراض النباتية؟
تُعرف مسببات الأمراض النباتية بأنها فيروسات أو بكتيريا أو فطريات أو كائنات دقيقة أخرى تسبب الأمراض للنباتات؛ حيث تصيب الخلايا وتتكاثر وتنتشر داخل الأنسجة النباتية وتتغذى عليها، مما يؤدي إلى موت الخلايا أو الذبول أو نمو تشوهات وتغير في الألوان.
كما ينتج عن تلك المسببات إعاقة التمثيل الضوئي وتقزيم النمو، وصولًا إلى الموت الكامل للنبات، وتعد الفطريات المسؤول الأكبر عن هذه الأمراض، فهي تسبب حوالي 85% من إجمالي أمراض النباتات، بحسب موقع "لايف ساينس".
وبناءً على المعطيات العلمية لحركة ووظائف الجسم البشري، يبدو من الصعب جدًا أن تتمكن هذه المسببات من غزو أجسادنا، ويرجع هذا التباعد إلى الاختلاف الجوهري في البنية البيولوجية بين الطرفين والذي يتلخص في حاجزين رئيسيين.
أولهما طبيعة الغشاء الخلوي، إذ تطورت مسببات الأمراض النباتية لِتخترق الجدران السميكة والصلبة المكونة من السليلوز داخل النباتات، في حين تُحمى الخلايا البشرية بأغشية دهنية مبطنة بمستقبلات بروتينية قادرة على تحفيز استجابة مناعية فورية وهي أدوات لا تملك المسببات النباتية القدرة على اختراقها.
وثانيهما عامل الحرارة، حيث تعيش معظم الفطريات والبكتيريا النباتية في درجات حرارة معتدلة تصل إلى 7525 درجة مئوية، لذا فإن حرارة الجسم البشري المرتفعة تعمل بمثابة فرن طبيعي يغير طبيعة بروتينات هذه الجراثيم ويمنعها تمامًا من التكاثر أو إحداث العدوى.
الاستثناءات الطبية
ورغم قوة الحواجز البيولوجية، وثّق الطب حالات استثنائية تمكنت فيها جراثيم نباتية من اختراق الجسم البشري؛ ففي جانب الفطريات، سُجلت عام 2023 إصابة عالم فطريات نباتية عانى من خراج صديدي في الحلق بسبب استنشاقه أبواغ فطر "الورقة الفضية" نتيجة تلامسه المكثف مع الأخشاب والمشروم، حيث تمكن الفطر من مقاومة المناعة والنجاة في حرارة الجسم المرتفعة قبل تعافيه بالمضادات.
أما في جانب البكتيريا الانتهازية، فإنها تستهدف في الحالات النادرة ذوي المناعة الضعيفة وتنتشر غالبًا عبر الأدوات الطبية في المستشفيات مثل بكتيريا "Pantoea agglomerans" الكارثة للأرز والذرة والتي قد تكون قاتلة إذا وصلت للدم، وبكتيريا "Pseudomonas aeruginosa" المسببة للعفن الناعم في الخس والبطاطس والتي تصيب الرئتين والدم والسرطان والإيدز وغيرهم.
الفيروسات النباتية
على الرغم من الاعتقاد السائد بأن الفيروسات النباتية لا تهدد البشر لعدم امتلاكها الآلية المناسبة لاختراق الخلايا البشرية إلا أن أدلة جديدة بدأت تثير القلق.
حيث رصد خبراء الحمض النووي الريبي (RNA) وأجسامًا مضادة نوعية لفيروس "تبرقش الفلفل الخفيف" الذي يصيب النباتات، في براز مصابين عانوا من الحمى والحكة الجلدية، مما يثبت قدرته العالية على الصمود في أمعاء الإنسان. كما كشفت أبحاث أخرى عن وجود فيروس "موزاييك التبغ" في خزعات مرضى سرطان الرئة وفي لعاب المدخنين وبعض ماركات السجائر، ما يطرح تساؤلات حقيقية حول إمكانية انتقاله عبر التدخين ومساهمته في الأمراض السرطانية المرتبطة به.
ورغم التأكيدات على أن نمو الأمراض النباتية بشكل خطير أو مميت داخل جسم الإنسان يظل أمرًا نادرًا للغاية، إلا أن التغير المناخي والاحتباس الحراري يمكن أن يؤديان إلى تآكل أهم حاجز بشري وهو "درجة الحرارة"، إذ بدأت مسببات الأمراض النباتية بالتكيف مع الأجواء الأكثر دفئًا.
وقد يمنح هذا التغيير تلك المسببات القدرة مستقبلًا على البقاء داخل أجسادنا، فالحواجز البيولوجية وإن كانت متينة، فالحالات الطبية المسجلة تثبت في النهاية أن كلمة "نادر" لا تعني أبدًا "مستحيل".













