يرتبط مفهوم مضغ الطعام في الأذهان تاريخيًا بتسهيل عملية البلع وتحسين الهضم فحسب، إلا أن الأبحاث الحديثة بدأت تسلط الضوء على أبعاد عصبية وفسيولوجية عميقة لهذه الممارسة اليومية البسيطة، حيث يشير مفهوم علمي متداول يُعرف بـ "محور العض والدماغ" إلى وجود ارتباط مباشر ووثيق بين كفاءة المضغ والصحة العقلية.
وتؤكد الدراسات أن الاهتمام بجودة المضغ لا يساهم فقط في وقاية الجسم من الاضطرابات الهضمية، بل يمتد أثره ليعزز القدرات الذهنية وينشط الذاكرة ويساهم في تقليل مستويات التوتر، كما يمكن أن يشكل خط دفاع طبيعي ضد الأمراض الانتكاسية المزمنة مثل الزهايمر والخرف مع تقدم العمر، وفقا لشبكة BBC.
المنظور التطوري للمضغ
ويظهر المنظور التاريخي والتطوري أن المضغ كان محركًا رئيسيًا لتغييرات جذرية في بنية الأسنان والفكوك البشرية عبر ملايين السنين تزامنًا مع تغير البيئة والنظام الغذائي؛ فبينما امتلك أشباه البشر الأوائل قبل 7 ملايين سنة أسنانًا تشبه القردة المعاصرة لتناول الفواكه اللحمية اللينة في الغابات المطيرة، اضطر أسلافنا لاحقًا مع تحول الطبيعة إلى أراضٍ خشبية مكشوفة إلى التعامل مع أطعمة أكثر صلابة وجهدًا ميكانيكيًا كالبذور والدرنات والمكسرات.
دفع هذا التحول البيئي التطور البشري نحو زيادة حجم الأضراس وتضخم الفكين والوجه لاستيعاب العضلات القوية اللازمة للمضغ، ومع اكتشاف النار وطهي الطعام وتطور الزراعة وصناعة الأدوات، تراجعت الحاجة إلى فترات المضغ الطويلة والمجهدة.
حتى بات الإنسان المعاصر يقضي اليوم نحو 35 دقيقة فقط في المضغ، مقارنة بأقرب أقربائه من القردة كالشمبانزي والغوريلا الذين يستغرقون ما بين 4 إلى 6 ساعات ونصف يوميًا في مضغ طعامهم للحصول على الطاقة الكافية لتمثيلهم الغذائي.
وبالرغم من هذه التغيرات التطورية، يظل المضغ يمثل الخطوة الأولى والأساسية في كفاءة الجهاز الهضمي؛ حيث يعمل على تفتيت الطعام وترطيبه باللعاب، مما يحفز إفراز الإنزيمات الهاضمة مثل الأميلوز ويرسل إشارات استباقية تحث الأمعاء والبنكرياس على إفراز عصاراتها لتكون مستعدة تمامًا لاستقبال المغذيات.
وتسهم عملية تفتيت الطعام لقطع أصغر في زيادة مساحة سطحه، لتتيح للعصارات الهاضمة العمل عليه بكفاءة أعلى وتجنب بقاء الجزيئات الكبيرة لفترات طويلة في الأمعاء، وهي الحالة التي تمنح الميكروبات وقتًا لتخمير الطعام مسببة أعراض الانتفاخ، والامتلاء، والإمساك.
علاوة على ذلك، يلعب المضغ دورًا حاسمًا في إطلاق العناصر الغذائية ورفع كفاءة امتصاص الجسم للطاقة بنسبة تصل إلى الثلث، فضلاً عن كونه أداة فعالة للتحكم في الوزن والشعور بالشبع؛ فالإطالة في المضغ تمنح الجسم وقتًا كافيًا لإرسال إشارات الامتلاء إلى الدماغ.
كما أنها تنظم الهرمونات المسؤولة عن الشهية عبر رفع مستويات هرمونات الشبع وخفض هرمون الجوع، وهو ما يدفع أطباء التغذية دائمًا للوصية بتناول الأطعمة الصلبة ذات القوام البارز والمرتفع اللزوجة لإبطاء معدل الأكل ومكافحة السمنة.
العلاقة بين المضغ وصحة الدماغ
على صعيد الصحة العقلية والقدرات الذهنية، يعمل المضغ بمثابة مضخة حيوية تزيد من تدفق الدم الأكسجيني إلى الدماغ للحفاظ على نشاطه، كما ترتبط أدوات المضغ مباشرة بمنطقة "الحُصين" المسؤولة عن الذاكرة والتعلم؛ وهي أول المناطق تضررًا عند الإصابة بمرض ألزهايمر.
وتؤكد المسوح الطبية تفوق الأشخاص الذين يمتلكون قدرة مضغ جيدة أو يحتفظون بأسنانهم الطبيعية في اختبارات الذاكرة والطلاقة اللغوية والقدرات الحسابية مقارنة بمن يعانون من مشاكل في الأسنان، ما دفع الباحثين حاليًا لإجراء تجارب سريرية لبحث مدى مساهمة زراعة الأسنان البديلة في تعافي الدماغ وعكس الشيخوخة العقلية.
ولا يتوقف تأثير المضغ عند الذاكرة بعيدة المدى، بل يمتد ليشمل رفع مستويات اليقظة والتركيز اللحظي بنسب تتراوح بين 10% إلى 20% أثناء أداء المهام المعرفية المعقدة، وإن كان هذا التأثير مؤقتًا لا يتجاوز 20 دقيقة.
كما يمثل المضغ آلية دفاعية ونشاطًا انعكاسيًا يلجأ إليه الجسم لا شعوريًا لتخفيف التوتر والتأثير على الحالة المزاجية، ورغم وجود دراسات تؤكد أثره في خفض هرمون الكورتيزول وتقليل قلق الامتحانات أو ما قبل الجراحات، إلا أن المجتمع العلمي يرى هذه الأدلة مشتتة لعدم استجابة بعض حالات القلق الحاد له.
وتشير التوصيات الطبية إلى عدم وجود عدد مرات محدد أو "رقم سحري" يجب الالتزام به لمضغ اللقمة الواحدة، لكن الطريقة المثالية والصحية تتلخص في تناول الطعام بتمهل وهدوء والمضغ بأسلوب طبيعي ومريح إلى أن يصبح الطعام لينًا وجاهزًا للبلع تلقائيًا.












