داخل أروقة المستشفيات المزدحمة، يدوّن الأطباء ملاحظات سريعة حول مرضاهم، لتمثل هذه الكلمات التي تبدو عابرة اليوم وقودًا لمحرك ذكاء اصطناعي يمتلك القدرة على قراءة ما بين السطور والتنبؤ بتدهور القدرات الإدراكية قبل سنوات من التشخيص الرسمي.
وتُظهر دراسة حديثة، نُشرت في دورية «npj Digital Medicine»، أن التكنولوجيا لم تعد مجرد أداة للحساب، وإنما تحولت إلى مراقب صامت يمتلك دقة مذهلة في رصد الإشارات المبكرة للخرف عبر الغوص في أعماق الملاحظات السريرية اليدوية.
ولم يكتفِ الباحثون بتطوير برنامج ذكاء اصطناعي تقليدي، وإنما اعتمدوا على نهج الوكلاء المبتكر الذي يتكون من خمسة برامج تعمل كفريق متكامل يراجع فيه كل عضو عمل زملائه لضمان أعلى مستويات الدقة. واعتمد الفريق في بناء هذا النظام على نموذج «Llama 3.1» من شركة ميتا، وزوده ببيانات ضخمة شملت ملاحظات طبية وسجلات خروج امتدت لثلاث سنوات، ليظهر النظام في مرحلته التجريبية توافقًا مع تشخيصات الأطباء بنسبة وصلت إلى 91%.
وواجهت هذه العقول الرقمية اختبارًا حقيقيًا عند مواجهة بيانات الواقع المعقدة، حيث انخفضت حساسيتها في رصد الحالات إلى نحو 62%، وهو ما دفع الفريق لمراجعة متعمقة كشفت عن مفاجأة غير متوقعة. واكتشف الخبراء الإكلينيكيون بعد إعادة فحص السجلات أن الآلة كانت على حق في 44% من الحالات التي صنفها الأطباء كأخطاء، وأوضح الدكتور حسين استيري أن النظام طبق التعريفات الطبية بصرامة أكبر من البشر ورفض تصنيف الحالات كـتدهور إدراكي ما لم تكن الملاحظات واضحة تمامًا بشأن مشاكل الذاكرة.
وتؤكد الدكتورة ليديا مورا أن التدخل البشري والآلي يتفقان عندما تكون الإشارات واضحة، بينما يبدأ الافتراق بين الإنسان والآلة عندما تكون الإشارات بارعة وخفية. وبالرغم من هذه النتائج الواعدة، لا يزال هناك طريق طويل قبل اعتماد هذه التكنولوجيا في العيادات اليومية، إذ تشير جوليا أدلر ميلشتاين إلى أن نجاح هذه الأدوات يعتمد على كيفية دمجها في نظام العمل وضرورة وصول التنبيهات إلى الشخص المناسب في الفريق الطبي لتؤدي إلى خطوات عملية واضحة.
وتحذر كارين فيرسبور من أن دقة النظام قد تتأثر بطريقة تدوين الملاحظات التي تختلف من مستشفى لآخر، فالآلة تظل محدودة بجودة البيانات التي تقرأها. ولا تهدف الرؤية المستقبلية لهذا المشروع إلى استبدال الطبيب، وإنما توفير مساعد يعمل بهدوء في الخلفية ليقدم تحليلات تشرح طبيعة ما يظهر في السجل السريري، ومنح المرضى فرصة ثمينة للتدخل المبكر قبل أن تتلاشى ذكرياتهم خلف ضباب الخرف.













